|
January 28, 2012, 6:56 am
|
التبرّع بالحلول للقضية الفلسطينية؟
منير شفيق*
مع وصول "حل الدولتين" الذي طرحه الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش وتبناه باراك أوباما من بعده إلى الطريق المسدود أو حالة الفشل أو اليأس منه، أو العبثية في استمرار تبنيه، ذهب البعض، ومن تيارات سياسية مختلفة، إلى إحياء مشروع، أو تبني مشروع، "حل الدولة الواحدة".
بعض هؤلاء كانوا من المشاركين في المفاوضات للوصول إلى حل الدولتين أو من المؤيّدين للعملية السياسية في ما بعد اتفاق أوسلو أو انطلاقاً منه. فبالنسبة إلى المشاركين فقد أرادوا من الحديث عن حل الدولة الواحدة "إخافة" المفاوض الإسرائيلي وإقناعه بتسهيل عملية التوصّل إلى "حل الدولتين" لئلا يواجه "حل الدولة الواحدة".
أما بالنسبة إلى غيرهم من مؤيّدي العملية السياسية المبنية على الأسس التي وضعها اتفاق أوسلو أو المبنية على الأسس التي وضعها مؤتمر مدريد، أو على الأسس التي وضعها قرار 242 زائداً دولة فلسطينية (مشروع ما قبل مؤتمر مدريد في مرحلة "الحرب الباردة"-الخط السوفياتي)، فأغلب هؤلاء أصبحوا يلتقون الآن حول الإشارة، بشكل أو بآخر، إلى تبني مشروع "الدولة الواحدة"، وذلك بعدما تبيّن لهم لا واقعية الحل على أيّ من تلك الأسس: فقد هبطت العملية السياسية التي بدأت من القرار 242 على أيدي بيل كلينتون ثم بوش-أوباما من خلال رايس- ميتشل إلى المستوى الحالي. وكان هذا هو المسار الذي اتخذته العملية السياسية ولم يكن أمامه غيره من مسار، عدا في الفرضيات التي لم تجد طريقها إلى التطبيق وهي التي ادّعت الواقعية أو قامت أصلاً على ادّعاء الواقعية. ورفضت أن يكون ثمة خيار آخر لا سيما الخيار الذي قامت عليه م.ت.ف في مرحلتيها 1964 و1968، أو قامت عليه منطلقات فصائلها كافة.
بكلمة، انتهى هؤلاء، من استراتيجية العملية السياسية التي استهدفت "حل الدولتين"، لا ليعودوا إلى ثوابت القضية الفلسطينية واستراتيجية المقاطعة والمقاومة والمغالبة وإنما لتبني مشروع "الدولة الواحدة". ولكن من دون أن يقولوا لنا كيف. أي نحن أمام هدف جديد بلا استراتيجية وتكتيك محددّيْن لتحقيقه، وبلا تحديد لهوية الدولة المذكورة أو حتى اسمها الكامل.
إن التقدّم بمشروع "الدولة الواحدة" ليس بجديد. فقد كان مطروحاً منذ بداية الثلاثينيات، في الأقل، من القرن الماضي حتى صدور قرار 181 في عام 1947 لتقسيم فلسطين. علماً أن قرار التقسيم نفسه استبقى مشروع إقامة الدولة الواحدة في صلبه ولكن بعد المرور بحل الدولتين التي تربط بينهما وحدة إقتصادية وعلاقات تمهّد للوصول إليه.
وهكذا وضع مشروع الدولة الواحدة على الرف وغاب عملياً، وسقط من التداول منذ 1948 إلى 1969 ثم أعيد إحياؤه بلغة أخرى ومضامين أخرى، غير السابقة، من خلال حركة فتح تحت شعار إقامة دولة ديمقراطية فلسطينية واحدة تقوم على أساس علماني بحيث يتساوى فيها المسيحيون والمسلمون واليهود. ولكن فتح رهنت مشروعها بتحرير فلسطين، وتصفية الكيان الصهيوني بكل مؤسساته الصهيونية: الدولة والجيش والأيديولوجية، وبالطبع مع عودة كل اللاجئين إلى بيوتهم وقراهم ومدنهم (حق العودة).
يلحظ هنا فارق أساسي بين مشروع الدولة الديمقراطية الفلسطينية ومشروع الدولة الواحدة الآن، فالأول تحدَّد من خلال هدف التحرير القائم على الكفاح المسلح وتصفية الكيان الصهيوني. فيما الثاني لا يحدّد هويته مثلاً هل هي فلسطينية أم إسرائيلية؟ أم ماذا؟ ولا يحدّد كيفية الوصول إلى تحقيقه مثلاً عن طريق المفاوضات والتراضي أو قرار دولي يطالب به ويفرضه، أم هو حل نهائي بعد سلسلة من الحلول؟ وهل سيأتي عبر شكل محدّد من أشكال النضال أم عبرها كلها؟ وهل سيأتي حلاً بعد التحرير وعودة اللاجئين والنازحين إلى كل فلسطين، أم سيقتصر أساساً على سكان الضفة والقطاع وآخرين؟
مشكلة أصحاب "الدولة الواحدة" الآن كونهم قفزوا إلى هذا الشعار القديم بسبب فشل حل الدولتين، أو بسبب الحاجة إلى مخاطبة الرأي العام بإظهار موقف إنساني، بعيداً من اتهامهم بالعداء للسامية، أو بطرد اليهود من فلسطين، أو القضاء على "دولة إسرائيل". وبهذا يكون مشروع "الدولة الواحدة"، قد ولد اليوم هروباً من مواجهة الوصول إلى الطريق المسدود من حيث عدم وجود حل. ولكن هنالك من طرحه لإقناع حماس بضرورة مخاطبة الرأي العام بحل إنساني مادام أصحاب "حل الدولتين" فقدوا الأرض التي يقفون عليها، وأصبح بديلهم مطلوباً على أكثر من مستوى فلسطينياً وعربياً وإسلامياً وعالمياً.
منذ المرحلة الأولى من أوائل الثلاثينيات إلى 1947 عندما قبلت الحركة الوطنية الفلسطينية بقيام دولة فلسطينية تستوعب داخلها مئات آلاف المهاجرين اليهود مع احتفاظها بالأغلبية العربية (مسلمين ومسيحيين) لعب شعار الدولة الواحدة دور الإسفنجة التي تمتص ما يكون قد فُقِد من الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني. أي القبول باستيعاب الهجرة غير الشرعية إلى فلسطين. وهو ما استهدفه "الكتاب الأبيض" الذي قدمته بريطانيا للحل على سبيل المثال.
|
|
تساؤلات في الإطار النظري للسياسات الاقتصادية العربية*
زياد الحافظ**
كما أشرنا أعلاه "الندرة" هي المبرر الأول لضرورة "عقلنة" وترشيد استعمال وسائل الإنتاج لتحقيق الحد الأدنى من التوازن بين رغبات الفرد وأو المجتمع اللامتناهية والإمكانيات الموجودة لتحقيقها. والمسلّم هو أن تلك الإمكانيات أو وسائل الإنتاج محدودة. والقس روبرت مالتوس (1766- 1834)، أحد الأباء المؤسسين للفكر الاقتصادي الكلاسيكي بلور نظرية تشاؤمية حول مستقبل البشري مبنية على التباين في زيادة نسبة السكان وزيادة نسبة الموارد. فالأولى كانت بمعدلات هندسية بينما الثانية كانت بنسبة معدلات رياضية - أي أن كارثة المجاعة كانت تحدّق بالبشرية. لذلك عُرف الاقتصاد أيضا بالعلم الكئيب ((dismal science.
لكن الوقائع أثبتت أن الإنسانية استطاعت تجاوز تلك الصعوبات عبر الاكتشافات العلمية والتكنولوجية التي زادت من أنواع وسائل الإنتاج وإنتاجيتها وفعّاليتها. غير أن شبح المجاعة والشح ما زال يهدد أقطارا وشعوبا بأكملها ولكن ليس بسبب الندرة الطبيعية للموارد بل بسبب سؤ استعمال الإنسان لها. ورغم كل ذلك إذا أخذنا بعين الاعتبار الأرقام الكلية للإنتاج الزراعي في العالم فإن التوازن قد يتحقق بل ربما هناك من فائض في المواد الغذائية. لكن الممارسات الاحتكارية للمؤسسات والدول التي تنتج الفوائض الغذائية خلقت اللاتوازن بين العرض والطلب. وكذلك الأمر بالنسبة لكافة السلع الأساسية. فعلى سبيل المثال وليس الحصر إن الإنتاج النفطي العالمي يفوق الطلب بمعدل مليون برميل يومي. لكن المضاربات المالية والإلتواءات أو الإعوجاجات القطاعية (sectoral distortions) هي من الأسباب الرئيسية لارتفاع أسعار النفط. طبعا يمكن الاستفاضة في النقاش حول هذا الموضوع وعرض الأراء المتباينة فيه غير أنه خارج إطار البحث. الفكرة الأساسية هي أنه إذا دققنا في أسباب النقص بين العرض والطلب سنجد أن في الأغلبية الساحقة لتلك الحالات، كي لا نقول جميعها، أن النقص سواء في الطلب أو العرض هو من فعل الإنسان، أي أنه بالإمكان السيطرة عليه. لذلك لا بد من إعادة النظر في مفهوم الندرة أو على الأقل استبعادها كسبب أساسي حتمي وطبيعي للتباين بين العرض والطلب. الندرة في رأينا من صنع الإنسان وميله للسيطرة والهيمنة والتحكم لمصلحته سواء كانت فردية أو فئوية. ولنا في ذلك الموضوع الكثير من الكلام ولكن في مكان آخر.
الملفت للنظر أن الندرة غائبة في ثقافتنا. جاء في القرآن الكريم عدد من الآيات تفيد أن النعم موجودة بوفرة بل لا يستطيع الإنسان عدّها وإحصائها: "وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها" (ابراهيم 34). لكن هناك عدة إشارات أن الندرة من صنع الإنسان فالتوصيات عديدة في عدم التبذير والإسراف والهدر. وليست سورة يوسف إلا خير دليل على ضرورة حسن التدبير لمواجهة سنين العجاف. على كل حال إن تواجد الموارد والنعم بوفرة لايغني المرء عن ضرورة بل واجب السعي والعمل لكسبها. لكن ما تراكم من عادات وقيم مغلوطة بشأن العمل وقيمته (أنظر في فقرة لاحقة تحليل ابن خلدون) أدّت إلى تفشّي ثقافة اللامجهود واقتناص مجهود الغير كأساس مكوّن للثروة.
من جهة أخرى لا بد من لفت الانتباه إلى دور الدعاية التجارية التي تخلق حاجات عند جمهور المستهلكين تؤدي إلى تحويل إمكانياتهم المالية كالمدخرات التي يمكن أن تصرف في آماكن أخرى على الحاجيات الأساسية أو في استثمارات منتجة، إلى إشباع الحاجات الجديدة والاصطناعية وغير الضرورية، كل ذلك تحت نظرية/فرضية حرية الإختيار للمستهلك أو الفرد. واستطرادا نشير إلى ما جاء في القرآن الكريم لعدد من الآيات المتعلقة بحب الإنسان للمال والمظاهر من اللباس الفخمة ووسائل النقل والقصور إلخ لذلك أجاب القرآن على سؤال عن النفقة قال: "يسئلونك ماذا ينفقون قل العفو" (البقرة 219)، والعفو من المال ما زاد عن الحاجة. أي الحاجة هي الأساس وما زاد عنها يجب إنفاقه في الحسنات أو في المشاريع المنتجة. أي بمعنى آخر يجب ضبط الإنفاق حسب الحاجة وكبح الجموح إلى إبراز مظاهر الإنفاق الاستهلاكي الذي لا يفيد وخاصة نزعة الإستدانة المفرطة لتحقيق ذلك الاستهلاك. ولسنا في إطار التحدّث عن الاقتصاد الإسلامي غير أننا ندعو الاقتصاديين العرب أن يبحثوا ويتعمقوا في التراث الغني الذي يمكن الاستخراج منه أدوات تحليل جديدة أو متطورة بشكل تتلائم مع الواقع العربي.
|
|
اعتذار ساذج وعنصرية بغيضة
فيصل جلّول*
ربما شعر السيد عباس زكي بالمرارة إزاء تصويت التيار"الفينيقي" ضد الحقوق المدنية للفلسطينيين في جلسة عقدها البرلمان اللبناني وانتهت بهزيمة مشروع قانون تقدّمت به كتلة السيد وليد جنبلاط لهذه الغاية. والإشارة إلى عباس زكي تتصل بالدور الخاص الذي لعبه في هذا الصدد عندما كان سفيراً لفلسطين في بيروت إذ بادر قبل عامين إلى توجيه رسالة إعتذار علنية للمليشيات "اليمينية" عن مشاركة الفلسطينيين في الحرب الاهلية اللبنانية 1975 - 1990 أقرّ فيها بمسؤوليتهم عن إشعال تلك الحرب ودون اشتراط أي اعتذار لبناني مقابل الأمر الذي حاز على رضى محاربي الطرف الآخر ومن بينهم السيد جوزيف أبو خليل عضو المكتب السياسي لحزب الكتائب الذي قال معقباً على الاعتذار "..إنه خطوة تاريخية لا تحتاج إلى ردّ من اللبنانيين الذين كانوا يعيشون في سلام، وجاء الفلسطينيون وأسقطوا دولتهم واعتدوا على أرضهم، فعلى ماذا يعتذر اللبنانيون؟" وللعلم فإن الميلشيات "الفينيقية" أبادت خلال الحرب الأهلية ثلاث مخيمات فلسطينية في "تل الزعتر" و"ضبية" و"جسر الباشا" وحوّلتها إلى أرض زراعية في تطهير عنصري هو الأول من نوعه في الشرق الأوسط بعد التطهير العرقي الصهيوني وللعلم أيضاً فإن الميليشيات نفسها ارتكبت مجازر صبرا وشاتيلا بالإشتراك مع الصهاينة.
وللعلم أيضا فإن هذا التيار يرفض منذ نهاية الحرب الأهلية الاعتراف بحقوق الفلسطينيين المدنية التي انتزعت منهم في العام 1982 حين قرر الرئيس الأسبق بشير الجميل حرمانهم من العمل في 70 مهنة هي مجموع المهن التي كانوا يشغلونها في لبنان وحرموا من بعد من حق التملك في عهد الرئيس الاسبق أمين الجميل وصادقت العهود اللاحقة على هذه الإجراءات ما خلا استثناءات محدودة اعتمدها وزير العمل والشؤون الإجتماعية الأسبق طراد حمادة الذي سمح للفلسطينيين بالعمل في الصيد البحري وعدد من القطاعات بقرار وزاري يمكن أن يلغيه وزير آخر ساعة يشاء.
|
|
الإسلاميون والدول الغربية
ياسر الزعاترة*
تندرج تحفظات واعتراضات الإسلاميين على سياسات القوى الغربية في بعدين، يتعلق الأول بالمواقف الغربية حيال الأمة العربية والإسلامية شعوبا ودولا، بينما يتعلق الثاني بموقفها من السياسات الداخلية التي تنتهجها الأنظمة حيال شعوبها ومن ضمنها الإسلاميين أو الحركات الإسلامية.
من المفيد القول ابتداء أن من العسير وضع القوى الغربية في سلة واحدة من حيث مواقفها وسياساتها، إذ لا يخفى أن ثمة تفاوت بين تلك القوى من حيث سياساتها، فيما تبرز الولايات المتحدة ومن يدور في فلكها بوصفها الأكثر عداء للأمة وأشواق جماهيرها. وللأسف فإن هذه المنظومة هي الأكثر تأثيرا في الغرب من الناحية العملية، وتشمل إلى جانب الولايات المتحدة كلا من بريطانيا وألمانيا وفرنسا.
وفيما يعبر الإسلاميون غالبا، وليس دائما بالطبع، عن مواقف شعوبهم حيال الغرب وسياساته، فإن الاعتراض الأساسي الذي يبرز دائما يتعلق بالسياسات الإمبريالية أو الاستعمارية التي تستهدف الأمة، من حيث وحدتها ومصالحها، وهنا تحديدا تنهض القضية الفلسطينية كواحدة من أهم نقاط الاشتباك بين الإسلاميين والقوى الغربية.
يشار هنا إلى أن الملف الفلسطيني كان تقريبا عنصر الاشتباك شبه الوحيد بين الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة وبين الإسلاميين إبان الحرب الباردة، لاسيما أنهم ضد الطرف الآخر في تلك الحرب، ليس من زاوية الموقف من الدين فقط، بل من زاوية الموقف من القيم الرأسمالية، وتحديدا الملكية الفردية، ولذلك كانت العلاقة إيجابية، بدليل التعاون في أفغانستان، وكانت نقطة الفراق هي حرب الخليج (أو حرب تحرير الكويت) التي أبرزت الإسلاميين بوصفهم المعارضة الأبرز لعقلية الغزو والسيطرة الفجة في البرنامج الأمريكي لما بعد الحرب الباردة.
منذ ذلك الحين تعددت نقاط الاشتباك على نحو واسع، وبالطبع بعد أن وجدت الولايات المتحدة في الإسلاميين عنصر التصدي لطموحاتها في المنطقة، فيما جاءت المساهمة الإسلامية في الملف الفلسطيني لتعزز من أهميته في تحديد رؤيتهم وبرنامجهم.
في القضية الفلسطينية تتجلى الإمبريالية الغربية في أبهى صورها، فهي ابتداء تعترف بحق اليهود في امتلاك 78 في المئة من أرض فلسطين التاريخية، ولا تتوقف عند ذلك، بل تضيف إليه مزيدا من الانحياز لهواجس دولة الاحتلال على سائر الأصعدة، وفي هذا السياق تبرز تفصيلات كثيرة ليس من الضروري التوقف عندها.
وإذا قيل إن الغرب يعتبر الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المحتلة عام 67 احتلالا غير شرعي، فإن المشكلة أن هذا الموقف لا يجد له تعبيرات سياسية مقنعة على أرض الواقع، إذ أن سائر القرارات الدولية المتخذة على هذا الصعيد لا تجد فرصتها في سياق التطبيق، بدليل أن التنازلات الهائلة التي قدمتها الحركة الوطنية الفلسطينية أو بعضها من أجل الحصول على دولة وفق مقاس القرارات الدولية لم تجد لها صدى في أرض الواقع.
|
|
الأزمة - الأزمات العراقية
آمنة القرى*
العراق يغرق الآن في بحر من الأزمات المتداخلة المتنافية الذاهبة إلى الطريق المسدود إن لم يكن إلى الدمار الذاتي.
ثمة أزمة أميركية في العراق هي أمّ الأزمات وهي المولّد الرئيس لتفاقم كل الأزمات الأخرى.
فقد جاءت هذه الأزمة ابتداءً من قرار احتلال العراق ضمن إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير حامل الهدف الصهيوني بتمزيق العراق وتجزئته إلى طوائف وإثنيات من خلال القضاء على دولته وهويّته العربية والإسلامية. فمشروع الشرق الأوسط الذي حمله بيريز وحوّله المحافظون الجدد إلى استراتيجية أميركية يقوم على أساس تحويل المنطقة الإسلامية الممتدّة من المغرب إلى باكستان إلى دول فسيفسائية مذرّاة على أساس طائفي ومذهبي وديني وإثني وحتى جهوي وكان العراق الميدان الأول في إنزال المشروع إلى التطبيق العملي.
فقد احتُلّ بالقوّة العسكرية وحُلّت الدولة بكل مؤسّساتها وأجهزتها وأُعيد تعريف العراق على أساس مكوّناته كرد وشيعة وسنّة عرب وإثنيات أخرى بمحو أية هويّة جامعة أي الهويّة العربية والإسلامية ويصبح الجامع هو الجغرافية في ظل التأكيد على دول وكيانات تقومان على أساس هويّة كل مكوّن من تلك المكوّنات فيصبح الجامع انتساب عراقي وجغرافي عام وغائم فيما أصبح "دولة" مستقلة.
كان هذا ما ينتظر سورية لو استجابت لمطالب واشنطن التي حملها وزير الخارجية كولن باول بعد سقوط بغداد مباشرة ومن بعدها لبنان مروراً بالسودان ومصر وصولاً إلى إيران وتركيا وباكستان وأفغانستان.
على أن قرار حلّ الدولة العراقية على تلك الصورة وإعادة الفرز وفقاً لما تمثل في المجلس السياسي واستفراد الكرد بدولة في الشمال وإعلان قيادات شيعية بالسيطرة الشيعية على العراق أوجد كل الشروط الملائمة لاندلاع مقاومة سريعة وقويّة للإحتلال الأميركي وفتح الباب على مصراعيه لمنافسة إيرانية - أميركية على ما سيقوم من أجهزة أمنية وجيش ومؤسسّات مدنية.
فكانت النتيجة فقدان السيطرة العسكرية للإحتلال الأميركي ودخولها في مأزق خانق كما عدم القدرة على السيطرة على ما أخذ يتشكّل من أجهزة السلطة التي تراوحت بين الولاء المزدوج الأميركي - الإيراني أو الولاء لإيران عدا الكيان الكردي الذي استفرد في السلطة في المناطق الكردية وحافظ على ولائه لأميركا مع فتح الباب لتسلل صهيوني خطير.
لقد فشل الإحتلال الأميركي في العراق في السيطرة عليه عسكرياً والتحكّم في إعادة تشكيله سياسياً. ولكنه فجّر في العراق أعمق الإنقسامات الداخلية وجعل عودة العراق إلى دولة موحدّة وذات الهويّة العربية والإسلامية مشروعاً بعيداً المدى إن لم يكن صعب المنال في المدى المنظور. فقد غرق العراق في أزمات طائفية وإثنية من دون أن تفقد أميركا التي ما زالت تحافظ على عشرات الألوف من جنودها فيه دوراً ما زال فاعلاً تلعبه في عرقلة ما يمكن أن يوحّد العراق من جديد على الأسس التي قام عليها منذ عشرينيات القرن الماضي فعراق المستقبل في مهبّ رياح متعدّدة المشاريع والهويّة له.
وخلاصة أميركا في مأزق عراقي عميق فهي غير قادرة على الإعتراف بالهزيمة الكاملة للإحتلال فالإنسحاب التام وغير قادرة على السيطرة والتحكم في تقرير مصير العراق ولهذا يتسّم دورها بالقدرة على التخريب والعرقلة والتأزيم وليس بالقدرة على البناء والحل. الأمر الذي يشترط فرض الإنسحاب الكامل لقواتها النظامية وغير النظامية من العراق وإبعادها عن التدخل في تقرير مصير العراق إذ أثبتت التجربة أن لا حل لأية مشكلة في العالم إذا أشركت أميركا في حلّها. فهي دائماً تعقد وتخرّب وتزيد الأزمات تفاقماً.
|
|
القضية الفلسطينية والمقاومة والمفاوضات
رمضان الشامي*
ثمة مجموعة من الموضوعات التي راحت تشرّع لمبدأ المفاوضات مع دولة الكيان الصهيوني والبحث عن تسوية للقضية الفلسطينية التي نجمت عن زرع الكيان الصهيوني في فلسطين وتشريد أغلبية أهلها الأصليين والإستيلاء على بيوتهم وممتلكاتهم العامّة والخاصّة.
ومنذ اللحظة الأولى التي طرحت فيها المفاوضات أُسقط البحث عن أساس القضية الفلسطينية ليحلّ مكانه التفاوض لإيجاد حلّ للصراع "الفلسطيني-الإسرائيلي"، وللصراع "العربي - الإسرائيلي". الأمر الذي يعني الإعتراف بدولة الكيان الصهيوني وبحقها في الوجود شأنها شأن كل دول العالم. ومن هنا يبدأ التفاوض لإيجاد تسوية لصراع نشب بين دول، ثم أصبح لاحقاً تسوية الصراع مع الشعب الفلسطيني على أساس "حلّ الدولتين": دولة تقوم 78% من أرض فلسطين هي دولة الكيان الصهيوني: "إسرائيل"، ودولة فلسطينية تقوم على الأراضي الفلسطينية التي احتلت في حزيران/يونيو 1967 من قِبَل قوات الكيان الصهيوني. ولكن سرعان ما اشتُرِط التسليم بإجراء تعديلات على تلك الحدود باتجاه واحد أي على الأرض التي يُراد إقامة الدولة الفلسطينية عليها وهي الـ22% التي تبقت بعد إقامة الكيان الصهيوني وتهجير ثلثي الشعب الفلسطيني والإستيلاء على بيوتهم وأراضيهم وقراهم ومدنهم. وقد تمّ ذلك من خلال القوّة العسكرية السافرة، وارتكاب المجازر لفرض التهجير على الفلسطينيين.
وبهذا تمّ تجاوز كل ما يتعلق بأساس القضية الفلسطينية وأصبحت مفاوضات التسوية محصورة بالأراضي التي احتلت عام 1967 وليس الأراضي التي احتلت، واغتُصبت في العام 1948. وبهذا أُسقطت من التفاوض حتى الأراضي التي احتلت في حرب 1948/1949 زيادة عن الأراضي التي حدّدتها تفصيلاً هيئة الأمم المتحدة في القرار 181 لتقسيم فلسطين. وتبلغ مساحة هذه الزيادة 24% من أرض فلسطين التاريخية.
حاول البعض تغطية هذا التنازل المجاني المزدوج عن الأرض الفلسطينية التي أوصى بها قرا ر التقسيم (بلا وجه حق، وبلا أية شرعية تسمح له بتقرير مصير بلاد، هو (حق تقرير المصير) حق حصري لشعبها الأصلي كما يقرّ بذلك القانون الدولي وميثاق هيئة الأمم المتحدة نفسه) وعن الأرض التي احتلت زيادة عن ذلك عام 1948/1949، من خلال إبراز "حق العودة" للفلسطينيين الذين هجّروا من تلك الأراضي استناداً للقرار 194 الصادر عن هيئة الأمم المتحدة.
صحيح أن حق العودة للمهجرين من ديارهم حق يقرّره القانون الدولي والمواثيق الدولية بما فيها الميثاق العالمي لحقوق الإنسان. ولكنه في القضية الفلسطينية حق لاحق للحق الأساسي (الثابت الأول) وهو الحق في استعادة الأرض التي اغتصبت وأُقيمت عليها "دولة"، وأُحِّلّ عليها شعب مكان شعب آخر هو شعبها الأصلي صاحب الحق الحصري في تقرير مصيرها.
|
|
حزب العدالة والتنمية التركي/ مرّة أخرى
هاني محجوب*
كنت في مقاليْن سابقيْن في "موازين" قد تناولت الوضع التركي وحزب العدالة والتنمية في تركيا. وقد راح البعض يطالب بمراجعة ما تضمناه وإجراء نقد ذاتي لتصحيح الموقف على ضوء التطورات الأخيرة وفي مقدّمها الأزمة التي نشأت بين الحكومة التركية وحكومة نتنياهو على إثر معركة أسطول الحريّة، والتي جاءت لتركم أزمات أخرى كان أبرزها أزمة الإهانة التي وجهت للسفير التركي في وزارة الخارجية الإسرائيلية كما أزمة الإحتجاج الشديد الذي ردّ به أردوغان على بيريز في دافوس.
فتركيا الطيب رجب أردوغان أو حزب العدالة والتنمية أصبحت الآن ذات شعبية بعيدة المدى في المجاليْن العربي والإسلامي حتى راح البعض بتسمية قادة تركيا الحاليين بالعثمانيين الجدد.
لقد فسّر البعض ما ورد في هاتيْن المقالتيْن حول حزب العدالة والتنمية باعتباره موقفاً ناقداً إن لم يكن معادياً لذلك الحزب ومن ثم اتهامه بما أثبتت الأيام عكسه تماماً.
في الحقيقة كان المحتوى الأساسي الذي حملته هاتان المقالتان قد ركز على رفض ما شاع بين عدد من الإسلاميين وحتى العلمانيين بأن حزب العدالة والتنمية حزب إسلامي أو بأنه يمثل تياراً جديداً داخل الحركات الإسلامية.
البعض دعّم ذلك الرأي استناداً إلى ماضي أعضاء الحزب عندما كانوا جزءاً من الحركة الإسلامية التركية بزعامة أربكان وقد تجاهلوا أن حزب العدالة والتنمية تأسّس بعد الخروج الجماعي من تلك الحركة وعلى أساس تحوّله إلى حزب علماني تركي، وجزء من العلمانية التركية. فقد أعلن قادته وفي مقدّمهم أردوغان وغول أن حزبهم ليس جزءاً من الحركة الإسلامية ولم يعد حزباً إسلامياً وإنما هو حزب علماني قلباً وقالباً. وهو يقول ذلك عن قناعة وليس مناورة أو خداعاً أو كذباً.
ولكن هؤلاء البعض أصمّوا آذانهم عما أعلنه الحزب من علمانية وراحوا يسوّغونه أو يؤولونه باعتباره مناورة ومسايرة لوضع قاهر فحزب العدالة والتنمية في رأيهم ما زال جزءاً من الحركة الإسلامية ويمثل تياراً أساسياً فيها ويصحّ أن يُقتدى به أو في الأقل أن نجد له عذراً في ما أعلنه من علمانية.
|
|
سجِّلْ أنا القدس
أيمن اللبدي *
سجِّلْ أنا القدس ُ
أنا أرضُ النُّبوات ِ
أنا زهرُ المداراتِ
أنا دررُ المدائنِ والقلوبِ الغضبة ِالحيةْ
أنا للمجدِ عنوانٌ و أهدابي عربيةْ
أنا دربُ البطولاتِ
أنا بابُ الحضاراتِ
وُأشرقُ في جبينِ الشمسِ أغنيةً سماويةْ
وأعلو فوقَ هامِ الكون ِملحمةً فدائيةْ
أنا القدس ُ
أنا القدس..ُ
|
QQ
|
المحتوى |
 |
|
|
|