August 21, 2008, 8:38 pm

قرار التقسيم والنكبة
فريق إعداد الكتاب السادس عشر من "سلسلة كتب موازين"

الإدعاء الصهيوني ومن يؤيّده بأن ثمة حقاً تاريخياً أو دينياً لليهود في فلسطين لا أساس له. فمن الناحية الإسلامية يعتبر ذلك باطلاً. فالدين الإسلامي عقيدة وفقهاً لا يُقرّ بذلك. فالأديان والأحاديث الصحيحة التي تؤكد هذه الحقيقة كثيرة. وكذلك ما حدث في فتح فلسطين وكُرِّس في الوثيقة العُمَرية، وأوكد مرّة أخرى في تحرير فلسطين من الفرنجة والمغول. والدين المسيحي يرفض هذا الحق ويبطله بمجيء السيد المسيح عليه السلام. فالكنائس المسيحية ولا سيما الأرثوذكسية والكاثوليكية قاطعة في هذا الموضوع لأن الإقرار بأن اليهود "شعب الله المختار" أو ان "فلسطين لليهود" يُبطل المسيحية. أما الكنائس البروتستانتية ففي أغلبها ترفض المقولة المذكورة. وتعتبر ان المسيح عليه السلام حلّ بدعوته مكان اليهودية، أما الكنائس الشاذة في الولايات المتحدة المعروفة "بالمسيحية الصهيونية" فمرفوضة من قِبَل، حتى أغلب الكنائس البروتستانتية في أوروبا والولايات المتحدة بالرغم من كثرة أتباعها. وذلك حين تعتبر فلسطين لليهود. وحتى بالنسبة إلى رجال الدين اليهود فمسألة إقامة دولة إسرائيل في فلسطين مسألة خلافية. وهنالك من ينقضها من الزاوية الدينية اليهودية البحت. أما من الناحية التاريخية فكان وجود اليهود في فلسطين مشاركة مع غالبية من الفلسطينيين والكنعانيين والقبائل العربية، وكان في فترة قصيرة من الزمن فيما انعدم وجودهم تقريباً طوال عشرات القرون قبل ومنذ قيام دولة لهم دامت أقل من مائة عام. والأغرب ان الحفريات لم تجد أثراً واحداً يدلّ على ان اليهود "مرّوا من هنا". ولو اعتمد المرء الحفريات التاريخية وحدها لأنكر ان لهم تاريخاً ما في فلسطين. على ان قبول الإدّعاء بحق تاريخي، بسبب وجود دولة لليهود لفترة قصيرة من الزمن، وبعد مضي قرون عدّة يؤدّي إلى زعزعة أغلب الجغرافية القائمة لدول العالم. فهنالك دول لشعوب قامت في فترة قديمة من التاريخ في كثير من بلدان العالم، ثم دَرَسَتْ، بغض النظر عن الأسباب والكيفية والذكريات. فماذا يحدث لو طلب الحق فيها بالرغم من وجود شعب آخر حملت هويته وأصبحت من حقه، وفقاً للقانون الدولي والعرف الإنساني السائدَيْن، والحَكَمَيْن الآن في السياسة الدولية؟ ولهذا لا حجّة لدولة الكيان الصهيوني بأن تقوم في فلسطين، يمكن أن يسندها الدين أو التاريخ أو الأثر الحضاري. ولهذا نُسب ما تدّعيه الصهيونية من حق تاريخي إلى عالم الأساطير أو عالم التزييف والتضليل. ولكن بعد تحقق وجود المستوطنين المهاجرين اليهود كما هو قائم الآن أصبح هنالك من ينطلق بإعطاء شرعية له بناء على القرارات الدولية والإعتراف الديبلوماسي الدولي، فضلاً عن القوّة وموازين القوى، فيرى ان من الواقعية الإعتراف بدولة الكيان حتى مع التسليم بزيف الإدّعاء بالحق التاريخي. لا يختلف اثنان في ان قيام دولة الكيان الصهيوني تمّ بداية من خلال السيطرة الإستعمارية البريطانية على فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى. فالهجرة اليهودية التي حدثت في تلك المرحلة نفذت بالقوة وتحت حماية الحراب البريطانية، ومن ثمّ كَبْت ألوان المـقاومة والمـمانعة للشعب العربي الفلسطيني من مسلمين ومسيحيين. ولهذا لا يبالغ المرء إذا قال ان الوجود اليهودي الإستيطاني الذي حدث بين 1918 و1947 ما كان ليتحقق إلاّ بالقوة والسياسات البريطانية. فهذا الوجود الإستيطاني الذي تكللّ بقيام ما يُسّمى بـ"دولة إسرائيل" قدّم على طبق من فضة للوكالة اليهودية. ومن ثمّ يُخطئ من يُعيد هذا المسار إلى القدرات التنظيمية للوكالة اليهودية، أو لأخطاء سياسية ارتكبتها القيادة الوطنية الفلسطينية في حينه. فهذه وتلك لعبتا، في "أحسن الحالات" دوراً ثانوياً بالقياس إلى دور سلطات الإنتداب البريطاني. فالعملية، باختصار، تمّت عبر القوة الخارجية القاهرة بكل ما تحمله من معنى.


حول نشأة الفقه الإسلامي وتطوّره
بشير موسى نافع*

نُشر مؤخراً كتاب وائل حلاق "نشأة الفقه الإسلامي وتطوره"، مترجماً للعربية عن نصه الأصلي بالإنجليزية، الذي كان قد صدر عن مطبعة جامعة كمبردج في 2005. ويعتبر حلاق، الأستاذ الكندي من أصل فلسطيني بجامعة ماكجيل، واحداً من أبرز الدارسين المعاصرين للفقه الإسلامي، لعلم أصول الفقة، وللتاريخ القانوني للإسلام. وقد نشر خلال العقدين الماضيين بعضاً من أكثر الأبحاث والكتب أثراً وإثارة للجدل. وربما كان كتابه هذا أهم الكتب التي ظهرت خلال السنوات القليلة الماضية في حقل التاريخ المبكر للفقه الإسلامي. تنبع أهمية هذا الكتاب ليس من محاولة تقديم رؤية كلية لتطور الفقه خلال القرون الإسلامية الثلاثة الأولى وحسب، بل وأيضاً من كونه الكتاب الوحيد باللغة الإنجليزية من هذا النوع منذ نشر جوزف شاخت في منتصف القرن الماضي كتابه الشهير: The Origins of Muhammadan Jurisprudence (1950) وليس ثمة شك في أن رؤية شاخت هيمنت على حقل نشوء الفقه الإسلامي طوال العقود الخمسة الماضية، وأصبحت خطوة البداية الضرورية لكل دارسي تاريخ الفقه الإسلامي ومذاهبه؛ كما أسست لمدرسة كاملة في حقل الدراسات الإسلامية. وبالرغم من نشر عدد كبير من المؤلفات الأكاديمية التي تعاملت مع نشوء وتطور الفقه الإسلامي خلال العقدين الماضيين، فإن أياً منها لم يحاول تقديم صورة شاملة للموضوع وللجدل المستمر حوله. ولكن حلاق، بقدر كبير من المعرفة والوضوح، قبل هذا التحدي. وكانت النتيجة عملاً هاماً ومرضياً. هذا الكتاب هو أكثر بكثير من إطروحة تركيبية للنقاش بالغ التعقيد حول نشوء الفقه الإسلامي؛ هذه محاولة أصيلة لتقديم نظرية متماسكة لأصول القانون الإسلامي وتطوره. لقد بنيت رؤية شاخت وتلاميذه للكيفية وظروف ولادة الفقه الإسلامي على عدد من المقولات الرئيسية: أن الفقه الإسلامي في جذوره لم يكن في الحقيقة إسلامياً، بمعنى أنه لم يرتكز إلى القرآن والحديث النبوي، كما اعتقد المسلمون المتأخرون، بل انبثق من تقاليد وعادات عربية قديمة، ومن جذور يهودية وبيزنطية. وليس حتى نهاية العهد الأموي ومطلع العباسي، عندما شهد المجتمع الإسلامي تصاعداً في الشعور الجمعي بالتقوى، أن بدأت حركة إنشاء نصوص الحديث والإحالة على النص القرآني. في هذه الفترة على وجه الخصوص، وضعت الأحاديث النبوية لتضفي مسوغاً إسلامياً شرعياً على آراء وأحكام فقهية كانت قد استقرت من قبل بالفعل. المعروف بالطبع أن العلماء المسلمين الأوائل اعترفوا دائماً بوجود أحاديث موضوعة، وطوروا بالتالي طرائق مختلفة لتمييز الأحاديث الصحيحة من تلك الموضوعة أو المكذوبة، بل ولتمييز درجة صحة الأحاديث التي صنفوها صحيحة. ولكن شاخت وتلاميذه اعتبروا علوم الحديث الإسلامية غير كافية وغير مرضية. ثم جاء عدد من اتباع شاخت وتلاميذه، مثل جوينبل، ليعززوا رؤيته للحديث، مع تعديلات غير جوهرية، ومثل وانزبورو وكرون، لتطبيق رؤيته للحديث على القرآن، والقول بأن القرآن نفسه هو أيضاً حصيلة عملية إنشاء تاريخي. بيد أن نظرية شاخت (ومدرسته)، وبالرغم من تأثيرها الواسع في حقل الدراسات الاستشراقية، لم تجد قبولاً مطلقاً؛ وقد تعرضت لانتقادات واسعة من باحثين مسلمين وغير مسلمين. وباكتشاف وتحقيق مجموعات أحاديث مبكرة جديدة، استطاع عدد من الباحثين توجيه نقد صارم لمختلف جوانب نظرية شاخت. وقد أوضحت أعمال باحثين مثل م. م. أعظمي، ظفر إسحق أنصاري، ياسين دتون، وهارالد موتزكي، أن لا طريقة شاخت في تحديد تاريخ ظهور الحديث، ولا القول بأن الفقه الإسلامي ولد من أصول غير إسلامية، هي مقولات ترتكز إلى أدلة أكاديمية علمية صلبة. في عمله هذا، يتجاهل حلاق الجدل الذي أطلقه شاخت حول الحديث، ويشير إلى البيئة الثقافية الثرية التي نشأ فيها الفقه الإسلامي في جزيرة العرب والعراق والشام، التي كان المسلمون العرب الأوائل على معرفة واحتكاك وثيق بها. بالنسبة لحلاق، هؤلاء الذين يبحثون عن مؤثرات يهودية وبيزنطية وفارسية على الفقه الإسلامي يغفلون عن المسألة الأهم: أن الحجاز، مهد الإسلام، كان جزءاً من فضاء مشرقي تداخلت وتفاعلت فيه حضارات قديمة، ومواريث دينية، وثقافات محلية. عدد من القبائل عربية لم يستقر قبل الإسلام في سورية والعراق وحسب، حيث تطورت ثقافة عربية عليا في الجوارين الفارسي والبيزنطي، بل أن الحجاز نفسه كان يبرز باعتباره مركز تجارة إقليمي رئيس بين سورية والعراق ومصر والحبشة واليمن. كانت اليهودية والمسيحية ديانات حية بين العرب في جنوب الجزيرة العربية، كما في الهلال الخصيب. وبظهور الإسلام وسيطرة المسلمين على الشرق الأدنى، وصل العرب إلى مناطق، وتدفقوا وسط شعوب، كانوا على معرفة سابقة بها، وواجهوا فضاءاً ثقافياً سياسياً وقانونياً كانوا أصلاً جزءاً منه.


الحركات الإسلامية بين العام والقطرية
هاني محجوب*

لا شك في ان حركة الإخوان المسلمين أكبر الحركات الإسلامية السنّية في البلدان العربية ولها امتدادات وحركات قريبة جداً من فكرها إن لم تأخذ بكل فكرها في العالم الإسلامي كله. بدأت حركة الإخوان، كما أسّسها، الإمام الشهيد حسن البنا وهي تحمل مشروع إعادة توحيد الأمّة الإسلامية وتحريرها وإنـهاضها. وكان مشروع وحدة الأمّة العربية وتحريرها في القلب من المشروع الأكبر. وكان الأقرب منالاً لتأسيس فروع للإخوان المسلمين في كل البلاد العربية. فقد كان الإخوان إلى عهد قريب على المستوى العربي أقرب ما يكونون من الحركة الواحدة. وما زالوا كذلك من حيث المرجعية الفكرية التي أسسّ لها الإمام البنا. فمن ناحية الأهداف والمنهج والنظرة العامة وأسلوب التربية ما زالت تلك المرجعية هي الأساس الجامع. على ان التطورات الأخيرة لا سيما منذ بداية تسعينيات القرن العشرين، والتي صاحبتها صحوة إسلامية عامة وتعاظم لقوّة الحركات الإسلامية، وفي مقدّمها الإخوان المسلمون، أخذت تعمّق من الإنقسام القطري العربي حتى أصبح، وهذا ليس جديداً تماماً، من الممنوع تشكيل حركات وأحزاب على المستوى القومي العربي بالنسبة إلى غالبية الدول العربية. وقد كُرّس ذلك في الدساتير والقوانين، والوعي السياسي السائد للنظام المعني ونخبه. وهذا يفسّر بروز شعار "القطر (ز) أولاً" مُستخدماً تقريباً على مستوى كل الأقطار. وهو شعار يراد منه إسقاط القضايا القومية المشتركة وأوّلها قضية فلسطين. فالاتجاه السائد الآن هو الذهاب بالمشروع القطري والعقلية القطرية والقرار القطري المستقل إلى أقصى مداه. وذلك على مستوى الأنظمة أولاً، ثم على مستوى نخب مرحلة مشروع العولمـة (لم ينجز وهو متخبّط) ثانياً. بل تسّربت العدوى إلى كل قوة سياسية اقتربت من السلطة، أو من الوصول إلى السلطة، أو من المشاركة في السلطة، أو حتى التمثيل في البرلمان. ولم تفلت من هذا التورّط القطري بالتخلي، عملياً، عن المشروع الوحدوي العام حتى بعض أفرع الأحزاب القومية والإسلامية التي تأسّست على المستوى القومي، بما في ذلك بعض أفرع حركة الإخوان المسلمين. أما التفسير لهذا التحوّل السلبي فله علاقة بالمناخ العام الذي ساد الوضع العالمي والإقليمي بعد انتهاء مرحلة الحرب الباردة. وكان من سماته القطرية : الإنفتاح على العالم والعولمـة (على أميركا والغرب)، والإنغلاق القطري في وجه الأشقاء العرب أو المسلمين أو العالم ثالثيين. فكنت ترى من يدافع عن انتهاء عصر سيادة الدولة وعدم التدخل في شؤونها الداخلية لحساب فتح الأبواب كلها للشركات متعدّدة الجنسيات وعابرة الحدود، وللسياسات الأميركية. وفي المقابل التشديد على القرار القطري المستقل في ما يتعلق بالعلاقات والقضايا العربية. فالموقف أصبح مزدوجاً في مفهوم السيادة والإستقلال وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. والتفسير الثاني نراه في ما حدث من تطوّر للقوى الإسلامية على مستوى قطرها (طبعاً بتفاوت)، مما فتح لها آفاق الوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها أو الإقتراب من الوصول أو المشاركة، أو لعب دور يتعدّى دور القوّة الشعبية المعارضة ذات المشروع الوحدوي أو الإسلامي، وهذا المشروع وضع قضية فلسطين دائماً على رأس أجندته من حيث التمسّك بالتحرير الكامل وعدم المساومة في أي حق من الحقوق المتعلقة بها. هذا التطوّر القطري الداخلي مع التفاوت الشديد في تطوّر الأوضاع من قطر إلى قطر، وابتعاد إمكان تحقيق المشروع الأكبر في المرحلة الراهنة راح يدفع إلى المساومة على العام لحساب القطري الخاص من دون الجهر بذلك. لأن ليس من السهل التخلي عن المبدأ والمنشأ والأصل لا سيما حين يتعلق الأمر بحركة لها، أو حزب له، قواعد واسعة تربّت على المبدأ والمنشأ والأصل، وليس لها مصلحة مباشرة في مكاسب آنية أو الرضوخ لضغوط معيّنة.


نظرة إلى بروز الطائفية
رمضان الشامي*

الطائفية غير الدين وغير المذهب. فالطائفة مجموعة من الناس لها سماتها الخاصة تكون أحياناً ذات طابع ديني وأحياناً ذات طابع مذهبي، وأخرى ذات سمة جهوية أو أثنية. فهي ذات بُعْدْ سياسي - إقتصادي - إجتماعي - ثقافي محدّد في ظل دولة أو نظام متعدّد الطوائف والمكوّنات المختلفة، ولهذا هي جماع عدّة أبعاد وإن طغى عليها في مرحلة من المراحل أحد تلك الأبعاد. وهي نمط من أنماط العصبية. فلو أخذنا ظاهرة الطائفية التي برزت في العراق لوجدنا ان الإنتماء إلى المذهب لدى جماعة بعينها طغى على الإنتماء الإثني أو الديني (الإسلامي) أو العلماني. وذلك في عملية الصراع السياسي للسيطرة على الدولة والثروة. فحزبا "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" و "الدعوة" تخليّا عن توجههما الإسلامي الثوري السياسي والدعوي العام ليحصرا نفسيهما في تكتل طائفي "عراقي" للسيطرة على السلطة والثروة. فمن أجل ذلك تخليا عن كل مواقفهما المتعلقة بـ"الشيطان الأكبر"، كما كانت تذكر أميركا في أدبياتهما قبل مؤتمر لندن، ليتحالفا مع الإحتلال الأميركي على حساب المكوّنات الأخرى من الشعب العراقي. ولعل تشكيل "البيت الشيعي" يعطي نموذجاً لعلمانية وسياسة فئوية وانحيازات لا مبدئية (براغماتية) من أجل التكتل للقفز إلى السلطة. ولو أخذنا ظاهرة الإثنية الكردية، وهي صنو الطائفية في العراق، لوجدناها تخلت عن سمتها السنية والإسلامية ليطغى عليها بعد العصبية. فالكرد بسبب انقسامهم كشعب وأمّة في ما بين كرد العراق وسورية وتركيا وإيران ومناطق أخرى لا يستطيعون أن يعبّروا عن البعد القومي الكردي إلاّ من خلال خصوصية كل جزء من الأجزاء مما يجعل تعبير كرد العراق مثلاً أقرب إلى البعد الأقلوي - "الطائفي" بغطاء قومي إثني. ولهذا تحوّلوا إلى "الطائفية" الإثنية متخلين عن سنيّتهم وإسلامهم، وحتى عن كرديتهم العامة بعد إزالة بعض القشور عن الإدّعاء القومي. وعندما ينقلب السنّة إلى طائفة في العراق يلغون سنيتهم التاريخية. فالسنّة لم يكونوا أقلية ولم يفكروا بتفكير الأقلية وإنما كانوا الحاضن لأمّة تعايشت داخلها المذاهب والقوميات فلم تلجأ يوماً إلى "الطائفية" السنية لدعم نفوذها أو القفز إلى السلطة. ولهذا عندما تنمو في العراق ولبنان أو خارجهما النـزعات الطائفية السنية ضد الشيعة فذلك غريب عن الإسلام السني إذا جاز التعبير أو عن الدور التاريخي للسنة عرباً وأعاجم، وفي كل الأقطار. وهذا ما يفسّر عدم إنخراط سنّة الكرد في "الطائفية" السنية العراقية، وإنما في "الطائفية" الكردية ما دام الإنتقال اتجّه من السنية إلى العقلية الأقلوية الباحثة عن السلطة والثروة. فالأنسب العصبية الكردية (الطائفية عملياً) والحالة هذه. التفسير العلمي الدقيق لظاهرة بروز الطائفية والمنطلقة من بعض الشيعة أو الكرد أو من بعض سنّة العراق أو من بعض سنّة لبنان يجب ألاّ يقرأ من خلال المرجعية الإسلامية أو الإسلام السياسي كما يحلو لبعض العلمانيين أن يفسّروا الظاهرة، وعينهم متجّهة نحو الطعن بالإسلام والمرجعية الإسلامية وليس بالطائفية، ولا يهمهم أن يفسّروا ما يجري تفسيراً صحيحاً. والدليل البسيط هو ما نلحظ من إنقلاب علمانيين عتاة إلى الطائفية فجأة. بل ان تجربة لبنان تاريخياً كشفت عن عدد من حالات تزعم الأحزاب العلمانية والإشتراكية للطائفية، واستنادها إليها، من دون أن يكون للدين علاقة بها. فكل الذين تصارعوا على أساس الإنقسام الطائفي خلال الحرب الأهلية في لبنان 1975 - 1990 كانوا أحزاباً علمانية ويسارية لا علاقة لها بالدين من قريب أو بعيد. بل همّشت رجال الدين والعلماء في كل الطوائف وحالت دون تدخلهم لوقف الحرب الأهلية. وهو ما حدث بصورة خاصة مع المراجع الدينية السنية والشيعية والدرزية (وحتى المسيحية عملياً ولو بدرجة أقل حدّة).


الصورة والمرآة في زمن العنف الرمزي مجلة "دير شبيغل" نموذجا* 2/2
خالد حاجي**

نستفيد من قراءة مقالات المحور أن الأمر متعلق بالفعل بالقرآن وبالمرأة: فأما القرآن فهو مناط إصلاح وإعادة قراءة؛ وأما المرأة فهي مناط تحرير وعتق. تخوض مقالات كتاب المحور في أمور عدّة، منها ما هو مقبول، قد ينبّه المسلمين إلى طبيعة جزء من بعض مشاكلهم في زمن الحداثة، ويستحثهم على ضرورة إعادة التفكير في القاعدة التي يصدرون منها لقراءة كتابهم وفهم العالم المحيط بهم؛ ومنها ما هو مرفوض مذموم، يدخل في عداد التحليل المغرض الذي يروم تحريض الوعي الأوروبي ضد الإسلام والمسلمين. في معرض الإشارة إلى "رموز الإصلاح المضطهدين" في الفضاء الإسلامي، تستحضر المقالات أسماء ووجوه عديدة، سواء من الماضي أو الحاضر، مثل نصر حامد أبو زيد، والمعتزلة، وسلمان رشدي، وناهد سليم، كما تضمّن العدد إشادة عابرة ببعض المتنوّرين الذين يحاربون الفكر الديني هنا وهناك، على حد قول الأسبوعية. وفي المقابل، تجلي إحدى صفحات المحور صور أعداء الغرب الثلاثة: الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، وزعيم القاعدة أسامة بن لادن، والرئيس الراحل صدام حسين. فأما الأول فيحمل مصحفاً بين يديه ويقبله؛ وأما الثاني فيشير إلى السماء بإصبعه وكأنه يتوعد أحداً، ووراءه قد كتب "لا إله إلا الله" بخطوط عريضة؛ وأما ثالثهما فيقف في قفص الاتهام وهو يعلي مصحفاً. ترسّخ هذه الصور رسالة لا تخطئها عين الناظر، مفادها أن المستبدّين في العالم العربي والإسلامي يستحوذون على القرآن، وبالتالي يحرّمون غيرهم من المتنورين من تجديد قراءته وتفسيره. وهكذا يجد القارئ أمامه فريقين: فريق يمثل الاستبداد وسلاحه القرآن والجمود على نصوصه القديمة، وآخر يتطلع إلى التحرّر والإصلاح وسلاحه إعادة القراءة وفق مقتضيات العصر والحداثة. تزكي قصة ناهد سليم، كما تمت الإحالة إليها في إحدى مقالات العدد، هذا الشرخ المتحدث عنه، بين حماة القراءة القديمة المتمسكين بالنص وبالسلطة في المجتمع العربي، وبين دعاة التجديد المحتمين بالغرب والمستجيرين بظلال حرياته (1). فناهد سليم هذه، التي تجلس ووراءها تمثال لبوذا، تُقدَم للقارئ الألماني في صفة امرأة مصلحة بطلة، وصاحبة دعوة صريحة وشجاعة وجريئة "لنـزع القرآن من بين أيدي الرجال". ويرجع وعيها بضرورة هذا الإصلاح إلى حادث كانت ضحيته وهي في سن المراهقة. فناهد المسكينة هذه، كانت تركب القطار مع عمها وهي ترتدي لباساً قصيراً، كما كان آنذاك مألوفاً بين فتيات المدن الكبرى المراهقات، فجعل الناس يتطلعون إلى ساقيها، مما حذا بعمها إلى نهرها ومطالبتها بستر ساقيها مراعاة للعادات والتقاليد، وخصوصا "امتثالا لما يأمر به الدين". كان هذا الحادث كافيا ليجعل من هذه الفتاة إمرأة "مصلحة"، تأخذ على عاتقها مهمة نزع القرآن من بين أيدي الرجال وإعادة تفسيره على نحو جديد. والواقع أن حال ناهد سليم يدعو إلى الاستغراب؛ وليس ثمة من رابط عقلي يصل حادثة القطار التي "كانت ضحيتها"، بدعوتها إلى "تحرير القرآن من أيدي الرجال". وكان حرياً بأسبوعية "دير شبيغل" المحترمة أن تنأى بنفسها عن مثل هذه الترهات التي تفصح عن خلل نظير الخلل الذي يصطلح عليه أهل المنطق الفرنسيين بـ"القفز من الديك إلى الحمار"؛ أو حالة عدم التمييز القصوى التي لا يملك معها الإنسان أن يميّز بين "الألف والعصا" كما يقول أهل المغرب. إنه لمن دواعي الغرابة حقا أن يبني الإنسان إشكالية "نزع القرآن من أيدي الرجال" على حادث مثل الحادث الذي كانت ناهد سليم "بطلته" أو "ضحيته"، أو قل ما شئت.


قراءة في نتائج الانتخابات الماليزية
محسن صالح*

حملت نتائج الانتخابات الماليزية التي جرت في 8 مارس/آذار 2008 العديد من المفاجآت، التي كان من أبرزها أن التحالف الحاكم فقد أغلبية الثلثين لأول مرة في تاريخه منذ استقلال ماليزيا قبل حوالي نصف قرن، حيث حصل على 63% من المقاعد (140 مقعدا من أصل 222 مقعدا). وقد كان التحالف الحاكم يتمتع بحوالي 90% من المقاعد في الانتخابات السابقة سنة 2004. مفاجأة النتائج فقد تلقى التحالف الحاكم (الجبهة الوطنية) أو ما يعرف بـ"باريسان ناشيونال" ضربة قاسية بخسارة حزب أمنو30 مقعداً من مقاعده في مجلس النواب، وبخسارة حزب جمعية الصينيين الملايويين (MCA) نصف مقاعده (من 31 إلى 15 مقعدا)، وبخسارة حزب المؤتمر الهندي الماليزي (MIC) ستة من مقاعده التسعة، وبخسارة حزب جيراكان الصيني ثمانية من مقاعده العشرة. وهكذا فَقَدَ التحالف الحاكم لأول مرة قدرته على تغيير الدستور، وإن لم يفقد قدرته على تشكيل الحكومة وتمرير القوانين. وصعدت إلى السطح معارضة قوية ارتفع رصيدها من 20 مقعدا سنة 2004 إلى 82 مقعدا سنة 2008. وتمكنت المعارضة من السيطرة على خمس ولايات، فإلى جانب الفوز التقليدي للحزب الإسلامي بولاية كلانتان، فقد فازت المعارضة لأول مرة بأغلبية مقاعد مجالس ولايات قدح وسيلانجور وبيراك، كما فازت لأول مرة منذ نحو أربعين عاما بولاية بينانج ذات الغالبية الصينية. وتلقى الحزب الحاكم هزيمة نكراء في العاصمة الفدرالية كوالالمبور التي لم يفز فيها إلا بمقعد واحد، بينما فازت المعارضة فيها بالمقاعد العشرة الأخرى. وقد ترافق ذلك مع سقوطٍ مدوٍّ لعدد من رموز التحالف الحاكم، وكان من أبرزهم وزيرة شؤون المرأة والتنمية الاجتماعية شهرزاد عبد الجليل، إذ فازت عليها نور العزة ابنة أنور إبراهيم التي لا تتجاوز 28 عاما، كما خسر سامي فيلو رئيس حزب المؤتمر الهندي الماليزي، وخسر نائبه، وخسر كذلك رئيس وزراء بينانج الذي ينتمي لحزب جيراكان. وكان من المثير للانتباه أن يتمكن حزب عدالة الشعب الذي تقوده زوجة أنور إبراهيم من رفع مقاعده من مقعد واحد في سنة 2004 إلى 31 مقعدا، وأن يتمكن حزب العمل الديمقراطي (وهو حزب يساري صيني) من مضاعفة رفع من 12 مقعدا إلى 28، أما الحزب الإسلامي (باس) فقد تمكن من رفع مقاعده من سبعة مقاعد إلى 23 مقعدا.


حوار في موضوع التغيير مع برهان غليون
منير شفيق*

كتب الدكتور برهان غليون الأستاذ في جامعة السوربون الباريسية مقالة تحت عنوان "في أصل الخوف العربي من التغيير"، الجزيرة.نت، في 23/ 11/2007، الموافق 13/11/1428هـ. ويفترض بهذه المقالة بسبب جدّتها بأن تكون خلاصة ما توصل إليه الكاتب حول أشكال التغيير العربي. ولهذا استحقت أن تقرأ تفصيلاً وبتمعن، ويقوّم ما ذهبت إليه. طبعاً لأهمية الموضوع وإشكاليته الراهنة. يبدأ الأستاذ برهان مقالته كما يلي: "بالرغم من تفاقم القطيعة بين النخب الحاكمة والشعوب وفقدان هذه الأخيرة الثقة بالنظم التسّلطية القائمة، فإن الغالبية العظمى من الرأي العام لا تزال تنظر بصورة سلبية، إن لم تكن بروح الشك، إلى فكرة التغيير". ثمة ملحوظتان هنا الأولى ان ثمة قطيعة متفاقمة بين الحكام والشعوب، والشعوب فاقدة الثقة بالنظم التسّلطية. فالصفة الأساسية للنظم هي التسّلطية وليس سياسات الأنظمة في المجالات المتعدّدة ولا سيما في الموقف من القضية الفلسطينية والعدوان العسكري ومواجهة التحدّيات الخارجية. فالتسّلط هو السمة الأساسية بلا سياسة أو إقتصاد أو تبعية أو فساد. فالتبعية السياسية والإقتصادية، مثلاً، متوفرّة بسخاء في نظم توصف بالديمقراطية كما نشهد في دول شرق أوروبا. ومن ثم لا يكفي التسّلط للدلالة على السياسة والطبيعة الإقتصادية، مثلاً مقابلاً أيضاً، كوبا والصين والبعض يعتبر نظام هوغو شافيز متسّلطاً. الملحوظة الثانية، وندّخرها لتذكير لاحق سريع، وهي قولة "ان الغالبية العظمى من الرأي العام تنظر بسلبية وشك إلى فكرة التغيير" لأننا سنقرأ لبرهان غليون في الفقرة التالية التي يفسّر بها سبب هذه النظرة وهي كون الرأي العام يرى التغيير تغييراً في "أشخاص الممسكين بالسلطة والقابضين عليها" ما هو آت: "وهذا ما يفسّر عزلة حركات المعارضة العربية وضيق القاعدة الاجتماعية التي تستند إليها، كما يفسر من وراء ذلك مأزق التغيير وانسداد آفاقه في المجتمعات العربية بالرغم من الشعور العميق بالحاجة إليه وضرورته وحتميته عند جميع الأفراد، ليس في المجتمع فقط ولكن في الحكم أيضا". هنا ثمة إشكال بين ما أشير إليه من نظرة "الغالبية العظمى من الرأي العام" إلى فكرة التغيير (الفطرة السلبية) وما يسميه "الشعور العميق بالحاجة إليه وضرورته وحتميته عند جميع الأفراد في المجتمع"، وحتى لدى النخب الحاكمة، فإذا كانت الغالبية العظمى من الرأي العام يشملها هذا "الشعور العميق بالحاجة إلى التغيير وضرورته وحتميته" ولا يستثني أحداً، كما يبدو فسوف نجد أنفسنا أمام تناقض بين نظرة سلبية، وبروح الشك إلى فكرة التغيير من جهة وبين الشعور العميق، من جهة أخرى "بالحاجة إليه وضرورته وحتميته" وهذا في الأقل لا يمكن أن يوصف بالسلبية، إن لم يكن بروح الشك. فالضرورة والحتمية غير السلبية والشك. ومع ذلك لنفترض ان التناقض الآنف الذكر شكلي وثانوي في ما سيليه من موقف متماسك في تفسير أشكال التغيير العربي. ولهذا سنتابع: "وبسبب غياب البعد الفكري والأخلاقي للتغيير لا تدفع الضغوط القوية التي يتعرض لها المجتمع إلى التحرك نحو الأمام كما هو الحال في المجتمعات السليمة البناء، وإنما يتجلى عبر توسّع دائرة الانفجارات والنـزاعات الداخلية الطائفية والمذهبية والقومية، وبالتالي عبر الدوران في حلقة مفرغة، مما يزيد من غرق المجتمع في الأزمة وإحباط فئاته الإجتماعية وغضبها جميعاً". مع الجملة الأولى في هذه الفقرة يقرّر الكاتب ان ثمة غياباً للبعد الفكري والأخلاقي للتغيير. وهذا يعني ان الشعور العميق لدى كل فرد بالحاجة إلى التغيير وضرورته وحتميته، هو بلا بعد فكري وأخلاقي. أي لدينا شعور مجرد من الوعي والأخلاق. ثم يزيد الطين بِلّة حين يحكم انه بسبب غياب البعد الفكري والأخلاقي (ليس هنالك شعور عام أو وعي بلا أبعاد فكرية وأخلاقية)، "لا تدفع الضغوط القوية مجتمعاتنا إلى التحرك نحو الأمام كما هو الحال في المجتمعات السليمة البناء". هنا ربط التحرك إلى أمام بوجود "البعد الفكري والأخلاقي" من جهة وبفرضية "المجتمعات السليمة البناء" من جهة أخرى. وذلك من دون أن يخطر له على بال ان التحرك إلى أمام في التغيير يحتاج إلى شروط موضوعية وذاتية وظروف وموازين قوى محدّدة، وليس إلى "البعد الفكري والأخلاقي" فقط، حتى لو كان في ذهنه بُعد فكري وأخلاقي محدّد.


تكنولوجيا النانو والأغذية المحوّرة وراثياً
رزان زعيتر*

لم يكتف المتلاعبون بالطبيعة والمصممون على السيطرة عليها - لا التعايش معها - لم يكتف هؤلاء بالتحوير الوراثي للمواد الطبيعية والبذور: فبدأوا بالتلاعب بالمواد على مستوى الذرّات والجزيئات. وها هي ذي تكنولوجيا النانو تتسرّب من المختبرات إلى حقول الحياة المختلفة دون النظر في مخاطرها ودون تطوير قوانين تنظيمية تتحكم فيها. وتكنولوجيا النانو تعتمد على تصغير حجم الجزء إلى حجم يساوي واحداً على بليون من المتر، ومن ثم استعمال المادة الجديدة في منتجات وصناعات متعددة. وهنا لا تفي العلوم كالفيزياء والكيمياء التقليدية للتعامل مع هذه الأحجام، بل يلجأ لعلم الميكانيك الكمّي كوسيلة بحث ودراسة. وللتقريب فإن سماكة شعرة واحدة تساوي 80000 نانو. الأكيد في الأمر، أن صفات المادة بحجم النانوميتر هي مختلفة تماماً عن صفاتها بحجمها الطبيعي وذلك من حيث التوصيل الكهربائي واللون والسمية. فلون مادة حمراء قد يصبح أخضر عندما نأخذها بحجمها الصغير والكربون في مادة الجرافايت طيّع، لكنه أقوى من الفولاذ عند التعامل مع جزيئاته التي هي بحجم النانو. الخطر في الموضوع أن استعمالات هذه التكنولوجيا قد بدأت تتسرّب إلى حقل المواد الغذائية والقطاع الزراعي، وطبعا بدون معرفة المستهلكين أو حتى دون فتح باب النقاش المجتمعي حولها. ناهيك عن إجراء الاختبارات الكافية حول سلامتها. وبينما بدأ المجتمع المدني العالمي يدق ناقوس الخطر حول هذا التعدّي على حق الإنسان في معرفة ما يستهلك، فإننا في البلاد العربية لا نزال نحبو في موضوع السلامة الإحيائية. فمع أن وزارات البيئة في عدد من البلدان العربية أصدرت تعليمات السلامة الإحيائية للكائنات المحوّرة وراثياً والناتجة عن التقنيات الحيوية الضارّة وبعضها شكل لجاناً وطنية للسلامة الإحيائية، علماً أنه منذ سنوات تشكل الفريق الوطني لمتابعة ما يستجّد في مجال تجارة المواد الغذائية المحورّة وراثياً من قبل رئاسة الوزراء برئاسة وزير الزراعة الدكتور محمود الدويري وبمبادرة منه آنذاك، ولم يكتب لهذا الفريق أن يرى النور. فالمطلوب من الحكومات إذا كانت لا تستطيع منع استيراد الأغذية المحوّرة وراثياً فيجب، في الأقل وضع بطاقة البيان على عبوات الأغذية لتوضيح محتوياتها وعناصرها، وما إذا كانت قد تمت معالجتها وراثياً. وكذلك يجب التأكد من توفير الإمكانات المختبرية لإجراء فحوصات الكشف عن وجود أغذية محورّة وراثياً في المنتجات الواردة لنا، ويتضمن ذلك الفحوصات على بذور النباتات المستخدمة في الزراعة، وعلى هذه المواد أن تعرّف على لوائح المواصفات الغذائية. وعليها إجمالا تفعيل أُطر السلامة الإحيائية. إن الإجراءات المذكورة إذا فعّلت وطبّقت فسوف تسهم في ضمان مستوى ملائم من الحماية في مجال أمان ونقل ومداولة واستخدام الكائنات الحية الناشئة عن التقنيات الإحيائية الحديثة، وتزيل أو تخفف المخاطر المحتملة الناتجة عنها. ومن هنا يجب أن يصار إلى وضع سياسات وطنية تحكم السلامة الإحيائية من خلال نشر الإرشادات المناسبة لاتباعها على المستوى الوطني، الذي سيساهم حتما في تحفيز الوعي على الصعيد العربي كله. بل من المهم تحديث كل ما يستجّد من تشريعات وتعليمات تتعلق بالسلامة الإحيائية إلى جانب تقديم النصائح الفنية للجهات التنظيمية والمعاهد المسؤولة عن تطوير تلك التقنيات.


إلى الشهيد محمد شحاده وإخوانه في الشهادة*
عيسى عدوي**

إلى بيت لحمٍ تعودُ النجوم لترسُمَ فوق المدى سِحْرَها ويرتاحُ ذاكَ المسارُ القديم، ويؤوي إلى ربوة عانقت سِرَّها. ***** شبعنا من الموت يغتالنا في الطريق، ونحن نُسابقُ وعدَ الحياةِ ونشربُ مِنْ من حُلوِها مُرَّها.. ***** سيأتي مع الفجرِ يوم ٌجديد، له نكهةُ الزيتِ والأقحوانِ سيأتي من الموتِ حيث انتهى


بوش الصهيوني في الكنيست
آمنة القرى*

عشرات الساعات من المفاوضات السرّية بين مفاوضين فلسطينيين وإسرائيليين، وزيارات تعدّت خمس عشرة زيارة قامت بها وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس وأكثر منها مبعوثوها من أجل دفع المفاوضات إلى اتفاق. ولم يبخل الرئيس الأميركي بوش بالتدخل شخصياً مع أولمرت وعباس، فضلاً عن سلسلة من التصريحات المتفائلة بنهاية إيجابية للمفاوضات قبل نهاية ولايته. لم يكن كل هذا عبثاً أو تسلية، وإنما كان سعياً جدياً. وإذا لم يكن كذلك فكيف يكون السعي الجدّي للتوصل إلى اتفاق. ومع ذلك، وكما ظهر في خطاب الرئيس بوش في الكنيست، ان موضوع الإتفاق تعثر. وفي أغلب الظن ان عقدته كانت القدس الشرقية أو الجزء الذي يمكن أن يُعطى منها للرئيس الفلسطيني محمود عباس. فلا الأخير يمكن أن يتنازل عن ذلك الجزء لكي يغطي التنازلات الأخرى، ولا أولمرت كما يبدو يستطيع أن يقدّمه مقابل ما تلقى من تنازلات لم يكن يحلم بها. مثل: تبادل الأراضي والموافقة على أن تكون القدس الغربية عاصمة لدولة الكيان الصهيوني. فضلاً عن يهودية الدولة وحل مشكلة اللاجئين من خلال آلية دولية للتعويض. فموضوع القدس كان المخنق. وربما كان تأجيله معرقلاً حتى الآن لاتفاق إطار تفاهمي جديد كما حدث في اتفاق أوسلو. هذا وليس هنالك من تفسير لتصريح الرئيس المصري حسني مبارك بأن الدول العربية لن تغطي اتفاقاً لا يتضمن الحقوق المشروعة للفلسطينيين، سوى انه تحذير من الضغط على الرئيس محمود عباس ليقبل إتفاقاً بلا جزء من القدس وهو ما لم يفعله قبل زيارة الأخير إلى واشنطن، وقبل خطاب بوش في الكنيست. ولعل ازدياد احتمال حرب عدوان ضد إيران، كما عبّر عن ذلك خطاب بوش المذكور حين اعتبر السماح لإيران بامتلاك السلاح النووي سيشكل "خيانة لا تغتفر حيال الأجيال المقبلة"، يفسّر التخفيف من الإندفاع باتجاه اتفاق إطار. علماً ان المفاوضات مستمّرة. وقد حرص على إبقاء الأمل قائماً خدمة لهدف الحرب مع استمرار الضغط للتوصّل إليه بكل الشروط الإسرائيلية بما فيها في موضوع القدس. على ان اللافت في خطاب بوش في الكنيست هو صهيونيته التي لم تستطع الصحافة العربية الموالية لحلفاء أميركا في المنطقة من وصفه بالصهيوني. وبعضها وصفه كذلك، لكن مع وضع صهيوني بين مزدوجين. فبوش اعتبر في هذا الخطاب ان أميركا والكيان الصهيوني وحدة عضوية لا تنفصم قائلاً: "شعب إسرائيل قد يزيد على سبعة ملايين نسمة بقليل. لكن عندما تواجهون الإرهاب والشر سيكون عددكم 307 ملايين لأن أميركا ستكون إلى جانبكم". بعض المحللين قارن بين خطابَيْ بوش وأولمرت، فوجد بوش أكثر صهيونية من أولمرت. وبالطبع ما كان بوش ليصل إلى هذا الحد في التماهي مع الكيان الصهيوني، وهو متجّه إلى السعودية ومصر ومقابلة محمود عباس وجمهور "مؤتمر دافوس" في شرم الشيخ، لولا حاجة الكيان الصهيوني المـتدهور إلى مثل هذا التشجيع والدعم، ولولا استعداد القادة العرب الذين سيلتقيهم لابتلاع هذا الموقف، والاستمرار في الحرص على "أفضل العلاقات بأميركا".


QQ

المحتوى

  قرار التقسيم والنكبة نظرة إلى بروز الطائفيّة
  فريق إعداد الكتاب السادس عشر من "سلسلة كتب موازين" رمضان الشامي
  بوش الصهيوني في الكنيست قراءة في نتائج الإنتخابات الماليزية
  آمنة القرى محسن صالح
  إنّها القدس لو تعلمون !! تكنولوجيا النانو والأغذية المحوّرة وراثيّاً
  محمد نعيم فرحات رزان زعيتر
  الجوانب الإيجابية للهجمات المتكرّرة على الإسلام ! حوار في موضوع التغيير مع برهان غليون
  ياسر الزعاترة منير شفيق
  حول نشأة الفقه الإسلامي وتطوّره إلى الشهيد محمد شحاده وإخوانه في الشهادة
  بشير موسى نافع عيسى عدوي
  الصورة والمرآة في زمن العنف الرمزي (2) وثائق 1 :
  خالد حاجي بيان مؤتمر الحملة الدولية لمناهضة الإحتلال الصهيوني والأميركي
  الحركات الإسلامية بين العام والقُطريّة وثائق 2  :
  هاني محجوب بيان ونداء حول العدوان المتجدد والحصار المستمر على قطاع غزّة