July 4, 2009, 10:52 am

ملف حرب العدوان على غزة
فريق إعداد الكتاب التاسع عشر من "سلسلة كتب موازين"

- تغيير الوضع القائم في غزة بإنهاء حكم حماس وتسليم القطاع لمحمود عباس وسلام فيّاض. عُبِّر عن هذا الهدف بأشكال متعدّدة، وحذرة، خوفاً من عدم تحقيقه عبر العمليات العسكرية فتوصف بالفشل. يُعتبر هذا الهدف امتداداً لهدف إسقاط المعادلة التي تشكلت على ضوء نجاح حماس في الإنتخابات. وقد ابتدأ بالحصار المالي ومقاطعة الحكومة ثم بالدور الأمني الذي لعبه الأمن الوقائي وجهاز الإستخبارات في قطاع غزة. مما أدّى إلى أحداث 14 حزيران/يونيو 2007 التي كانت نتيجة تداعيات أوصلت إلى تصفية الأجهزة الأمنية التابعة للرئاسة في القطاع، وإلى إقالة الحكومة الوطنية برئاسة إسماعيل هنية، والمـُشَكّلة على أساس اتفاق مكة. والأهم أدّت إلى الإنقلاب الذي أحدثه محمود عباس بتشكيل حكومة سلام فياض والسير في طريق المفاوضات مع إدارة ظهر لمصر والسعودية، في حينه. وبهذا اتسّم الوضع الفلسطيني بالإنقسام إلى سلطتين في الضفة والقطاع وإلى توجُهين سياسيين: أحدهما ذهب إلى مفاوضات ثنائية سرّية إنطلاقاً من مؤتمر أنابوليس، واعتمد على إخفاء ما تمّ عبرها من تنازلات فلسطينية وتفاهمات حتى هذه اللحظة. وقد توقفت بسبب ارتطامها بموضوع تقسيم القدس الشرقية من خلال عدم إعطاء جزء للدويلة الفلسطينية ليكون عاصمتها. وكان ذلك ضرورياً لعباس من أجل تغطية التنازلات المتعلقة بحق العودة وتبادل الأراضي وبقاء المستوطنات والحدود والأغوار وتهويد القدس واقتسام المسجد الأقصى والتسليم بيهودية الدولة الإسرائيلية (دولة لليهود فقط لشطب الوجود الفلسطيني لاحقاً فيها). أما التوجه الثاني فكان ما مثلته حماس بالنسبة إلى المقاومة ورفض المفاوضات وسياسات محمود عباس التي تبنت خريطة الطريق وطروحات الرباعية، والتي غطت حكومة سلام فياض لمطاردة خلايا المقاومة (التطبيق المنفرد للبند الأول من خريطة الطريق). وبهذا أصبح الهدف الأميركي- الإسرائيلي إسقاط سلطة حماس في القطاع من خلال تعميق الإنقسام الداخلي، والصراع العدائي ضد حماس والذي انتقل إلى الحصار الذي أدى إلى العدوان الراهن وقد سبق ذلك عدة محاولات إقتحام عسكري واغتيالات وقصف محدود. يلاحظ : 1- بين 14 حزيران 2007 (الإنقسام إلى ضفة وقطاع) والحصار المشدد الذي أدى إلى اقتحام معبر رفح، كان الموقفان المصري والسعودي، عملياً، أقرب إلى حماس وكانا متحفظيْن عن سياسات محمود عباس. ولكن بعد اقتحام معبر رفح انتقلا إلى الإنحياز الكامل لمحمود عباس وأيدّا مفاوضاته الثنائية. 2- وُقعت اتفاقية تهدئة بين حماس والحكومة المصرية ووافقت عليها كل الفصائل. وتم الإلتزام بها بالرغم من استمرار الحصار وتشديده ومواصلة عمليات الإغتيال والإعتقال في الضفة الغربية والخروقات في قطاع غزة. علماً أن الحصار متناقض مع التهدئة. لأنه يعتبر عملاً عسكرياً بامتياز فكل حروب اقتحام المدن تبدأ بالحصار وتشديد الخناق. ولهذا لا يمكن أن تلام حماس أو فصائل المقاومة التي اتفقت بإجماع على عدم تجديدها للتهدئة، أو إطلاق بضعة صواريخ بهدف فك الحصار (الموت البطيء). فاتخاذ عدم التجديد للتهدئة حجّة ضد حماس وتحميله مسؤولية في اندلاع العدوان يشكل ظلماً كبيراً وتغطية للعدوان. 3- بعد هزيمة الجيش الصهيوني في حرب تموز/يوليو 2006 على يد المقاومة الإسلامية بقيادة حزب الله في لبنان، عُمِد إلى إعادة بناء الجيش ومحاولة استعادة هيبته، فكان الإستعداد لشن حربٍ على غزة يحمل إلى جانب الهدف السياسي الأول هدف استعادة هيبة الجيش وإرسال مجموعة رسائل عبر التنكيل بالمدنيين ومحاولة اقتحام القطاع. ولهذا من الظلم اعتبار أن عدم التجديد للتهدئة، أو إطلاق الصواريخ سبباً لعدوان بهذا الحجم وهذا المستوى، وما صحبه من سياسات في إدارته ودعمه تدّل على إعداد طويل مسبق له. 4- يمكن اعتبار العدوان ضمن الإطار الذي أدّى إلى اغتيال ياسر عرفات، ومحاولة إسقاط نتائج الإنتخابات التشريعية ومحاصرة قطاع غزة. فهذا البعد لا يمكن إغفاله، ويشهد عليه مواقف مختلف الأطراف من حصار عرفات حتى اليوم.


الإصلاحيون الإسلاميون وصدمة الحداثة*
رفيق عبد السلام**

لا شك أن صدمة الحداثة الغربية التي اجتاحت عالم الإسلام على حين غرّة مصحوبة بوطأة الاجتياحات العسكرية والتدخلات السياسية والدبلوماسية الأوروبية قد أحدثت رجّات هائلة سواء على صعيد الفكر والثقافة أو على صعيد بنى الاجتماع والسياسة في العالم الإسلامي، وهي رجات ما زالت آثارها فاعلة، وندوبها قائمة إلى يومنا هذا. بدأ مشروع الحداثة في المنطقة الإسلامية ضرباً من "التحديث" الإجرائي في إطار ما سيطلق عليه لاحقاً حركة التنظيمات التي فرضتها الضغوط العسكرية والتدخلات الأوروبية المتفاقمة في الدولة العثمانية، وقد انطلق هذا المشروع بادئ الأمر من دوائر السلطان ورجالات الحكم في اسطمبول وبعض ولايات السلطنة العربية مثل مصر وبلاد الشام وتونس، ثم ما لبث أن توسّع مداه ليشمل قوى إجتماعية وفكرية أوسع. ضمن هذه الأجواء العامة وُلِد وتطور خطاب الإصلاحيين الإسلاميين في القرن التاسع عشر الذين عملوا على مواجهة الصدمة العنيفة للحداثة الغربية بضرب من الإحيائية الإسلامية في إطار ما سُمّي بالسلفية الجديدة. يتلخص مشروع الإصلاحيين الإسلاميين على ما بينهم من تباين واختلاف، في المناداة بالرجوع إلى المنابع الإسلامية ممثلة في القرآن والسنة الصحيحة ومثال النبوة والخلافة الراشدة، والحمل بشدة في نفس الوقت على ما اعتبروه جموداً على الماضي وتنكباً عن الاجتهاد واستيعاب روح العصر، مع الحث على الأخذ بأسباب المدنية الحديثة. ومن المعلوم هنا أن المدنية الحديثة التي يقصدها رجال الإحيائية الإسلامية ليست شيئاً سوى مدنية الغرب الحديث على نحو ما تجسدت واقعاً في كبريات العواصم الأوروبية مثل لندن وباريس وروما وفيينا، وغيرها من المدن الأوروبية الأخرى التي كان لبعضهم تجربة زيارتها والإقامة فيها ردحاً من الزمن، كما هو حال الطهطاوي، وخير الدين باشا، وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وغيرهم. ورغم أن رجالات هذا التيار ينحدرون في غالبيتهم العظمى من المؤسسات التعليمية التقليدية، كما كان لبعضهم باع مشهود في مجال المعارف الإسلامية التقليدية من فقه وعلم أصول ونحو وبلاغة وتصوّف، إلا أنهم مع ذلك حاولوا بدرجات متفاوتة تطعيم ثقافتهم التقليدية بمعارف غربية حديثة، ووسّعوا أفق تساؤلاتهم وإشكالاتهم، بما صبغ فكرهم بقدر مهم من الجدّة والطرافة. أقبل الطهطاوي مثلاً على تعلم اللغة الفرنسية والوقوف على عوائد الفرنسيين أثناء إقامته في فرنسا كمرشد ديني للبعثة التعليمية المصرية في عهد محمد علي، وقد سجّل ذلك في كتابه الشهير "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، إلى جانب "الديوان النفيس بايوان باريز"، وأقدم على ترجمة "روح القوانين" و"تأملات في أسباب عظمة الرومان وانحطاطهم" لمونتسكيو، و"العقد الاجتماعي" لروسو. أما الشيخ محمد عبده من بعدِه فقد جاسر بتعلم اللغة الفرنسية في مرحلة متقدمة من حياته وقام بنقل بعض نصوص هربرت سبنسر من الفرنسية إلى العربية، كما اطلع على كتابات روسو والمستشرق الفرنسي رينان وغيرهم من المستشرقين، بل قرأ لتولستوي الروائي الروسي الشهير وتراسل معه مرات عدة، وذهب إلى مدينة برايتون ببريطانيا لمقابلة سبنسر. أما على صعيد آخر فقد دفعت حالة الاضطراب الكبير التي حلت بالمجتمعات الإسلامية بفعل موجة الاجتياح الاستعماري الغربي، والشعور المتزايد بجلل المخاطر التي تتهدّد الوجود الإسلامي، بالإصلاحيين دخول عالم السياسة بكل أعبائها وصراعاتها المكلفة، بما ينأى عن تقاليد الهدوء والامتناع عن تعاطي الشأن السياسي بصورة مباشرة على نحو ما تعوّد العلماء والمؤسسة التعليمية التقليدية منذ وقت مبكر من التاريخ الإسلامي. فرجل مثل الأفغاني طوّحت به السياسة في متاهات لا حصر لها، تراوحت بين المشاركة في الانقلابات وعقد التحالفات السياسية إلى النفي والمطاردة، كما واجه سيلاً من التهم والمكائد الهائلة انتهت به إلى قضاء نحبه محاصراً مكدوداً في الأستانة، إذ ترجح الروايات تسميمه من طرف السلطان عبد الحميد بعد أن استحثه على القدوم إلى هناك. كانت حياة الرجل صاخبة ومتفجّرة تمتزج فيها الملحمة بالمأساة، وتختلط فيها بعض الانتصارات بكثير من الفواجع والإنكسارات، بل لك أن تقول هنا إن حياته تلخص ما يمكن تسميته بعصر الإسلام الدرامي، هذا العصر الذي كان مشحوناً بالإنفجارات والتحوّلات القاسية التي كان يمورُ بها عالم الإسلام والشرق عامة. إنهم قد عاشوا بشكل أو بآخر ما يمكن تسميته بقلق الوعي، هذا القلق الناتج عن التحديات الهائلة والمحزنة التي ولّدَتها بدايات الاجتياح الغربي لعالم الإسلام، كما أنهم عاشوا نوعاً من الغربة وحتى الاستبعاد المتبادل بينهم وبين الجماعات المحلية والمؤسسات التقليدية التي رأت فيهم نوعاً من الخروج عن أسس "الإجماع" واندفاعاً غير مبرر نحو قبول فكر المتغلب.


باراك أوباما والتغيير
علاّن بلال*

لا شك في أن أوباما رئيس غير عادي، وغير تقليدي، للولايات المتحدة. فهو أول رئيس يأتي ممن يصفونهم بالملوّنين (كأن اللون الأبيض ليس لوناً أو كأن الشعر الأشقر والعيون الزرق لا يحملان لوناً). فبشرته مائلة إلى السواد الخفيف أو الحنطي الداكن المائل للسواد، فأمّه بيضاء وأبوه أفريقي من كينيا. وهو من أب يحمل اسماً مسلماً ولكنه لم يعش معه. ولم يأخذ منه شيئاً. وكذلك تجربته مع زوج أمّه الثاني الذي كان مسلماً إندونيسياً. فأوباما في الحقيقة، وعملياً نشأ مسيحياً وليس له من الإسلام سوى اسم أبيه وانتساب أبيه إلى المسلمين. وهو من ناحية أخرى عصامي في اجتهاده التعليمي التحصيلي. وقد تخرّج من جامعة هارفرد. وهاتان صفتان لا تدخلان في العام بين رؤساء أميركا. ولكنهما تعبّران عن أقليّة بين رؤساء أميركا ممن تحدّروا من عائلة متواضعة، وبنوا أنفسهم من خلال الجهد والإجتهاد. ففي العادة ثمة عائلات تتوارث المـواقع الرئيسة في الدولة والأجهزة وحتى في عالم الثقافة كما عالم المال والفن ولكن ليس على طريقة التوريث السلالي أو توارث الألقاب. وإنما توارث النفوذ والفرص المتاحة والظروف المساعدة. إلى هنا يظل أوباما رئيساً غير عادي وغير تقليدي. وقد ساعده في الوصول إلى الرئاسة ما تمرّ به الولايات المتحدة من ظروف غير عادية أو لم يسبق أن مرّت بها منذ تأسيسها. فهي في مواجهة أزمة مالية هزّت الولايات المتحدة ونظامها الرأسمالي وكبريات مصارفها وشركاتها هزّاً عنيفاً كما لو كانت زلزالاً ما زالت ضرباته الإرتجاعية تتتالى ولم تصل مداها أو نهايتها بعد. فكل النظام الرأسمالي في حالة اضطراب ولا يقين. بل في حالة تفكك مفاصل وحالة انهيار عامة. إن الولايات المتحدة تعيش أزمة سياسية عالمية جاءت نتاج مسلسل الإخفاقات التي أورثتها إياها إدارة بوش. فثمة تورّط في حربين فاشلتين عملياً إذا كان الهدف الإحتلال وتثبيت النفوذ الإمبريالي السياسي والعسكري الأميركي - الصهيوني. فأوباما منذ بداية حملته الإنتخابية رفع شعار الإنسحاب من العراق. أما في أفغانستان فالوضع الأميركي ووضع الناتو (حلف الأطلسي) في حالة تأزم شديد، وقد جعلا يستنجدان بمجيء رئيس جديد لإنقاذ الوضع شريطة استبقاء عملية مكافحة "القاعدة" والتضييق عليها، ولا يكون من نمط جورج بوش الإبن. وإلى جانب الحربين وما شكلتاه من أزمة أميركية خارجية وداخلية هنالك الإخفاقات على المستوى الفلسطيني واللبناني وهو أمر تُحسّ به أميركا، إحساساً شديداً، بسبب التماهي القائم بينها وبين الكيان الصهيوني المأزوم بدوره. ثم هنالك عودة بروز عدّة أقطاب سياسية وعالمية على المسرح الدولي مما أنهى كل حديث عن نظام أحادي القطبية فأميركا أصبحت الآن في حالة منافسة شديدة مع مجموعة من الأقطاب: روسيا عسكرياً، والصين إقتصادياً، وأوروبا إقتصادياً وسياسياً، والهند إقتصادياً كذلك إلى جانب عدد من النمور الإقتصادية الناشئة كالبرازيل وتركيا إلى جانب نمور جنوب شرق آسيا. وهذا كان مدعاة لتعاظم الأزمة الأميركية وتولّد مناخ داخلي يستدعي طلب قيادة جديدة وهو ما تلاقى مع شخصية باراك أوباما حتى لو كان في هذا التلاقي تجاوز للونه وأصله. ولكن التجربة وحدها هي التي ستثبت إن كان أوباما هو الرئيس المنشود من زاوية تحقيق هدف إنهاض أميركا من أزماتها الخطرة التي أدخلتها مرحلة العجز وفقدان الهيبة وأطاحت بسمعة نظامها الإقتصادي وبحلمها في إقامة نظام عالمي أحادي القطبية. هذا السؤال الأخير لا علاقة له بالحكم على سياسات أوباما من الزوايا التي تهمّ البلاد العربية والإسلامية أو قضايا العالم التي تهمّ الشعوب كافة. فأوباما من هذه الزوايا لن يختلف عن أي رئيس أميركي في تمثيله للمصالح الأميركية وأطماعها أو تحالفه مع الصهيونية، أو عدائيته لمطامح الشعوب المتطلعة إلى إقامة نظام عالمي أكثر عدالة لا يكون حكراً للدول الكبرى وإنما يراعي مصالح دول العالم الثالث. ومن ثم فإن إزالة الوهم الذي راح البعض يغذونه بالقول أن أوباما سيكون شيئاً آخر غير النمط التقليدي للسياسات الأميركية والرؤساء الأميركيين، يجب أن يُبدّد، ولا يُسمح بتسّربه إلى وعي الدول العربية والإسلامية أو قوى المقاومة والتحرّر والإستقلال ورفض التبعية والهيمنة الأميركية، والرأسمالية العالمية المتوحشة. فأميركا في عهد أوباما ستظل أميركا الحرب الباردة وأميركا كلينتون وبوش الإبن. وإذا تغيّر الأسلوب بسبب ما حدث من تغيير في ميزان القوى، وبسبب الأزمات التي تطحن أميركا اليوم فإن طبيعة الدول الأميركية ونظامها لا يتغيّران بتغيّر الرؤساء. بل أن أوباما سيكون أقل الرؤساء في تاريخ أميركا قدرة على إحداث تغيير ولو طفيف في الأهداف والطبيعة. فلونه واسمه يشكلان سبباً من أسباب ضعفه لا قوّته. فقد أثبتت التجربة أن "الملوّنين" الذين يدخلون مؤسسة الدولة الغربية ولا سيما الأميركية يكونون أشدّ تطرفاً في إثبات ولائهم للنظام. والأمثلة كثيرة تبدأ من أصغر الوظائف الأمنية وتمرّ بالتجربتين الأميركيتين اللتين جسّدهما كولن باول وكونداليزا رايس وستنتهي بتجربة أوباما إذا ما تمت ولايته أو إذا جدّدها. فلا اللون ولا اسم الأب يجب أن يشكلا سببين للتفاؤل بأوباما. بل يجب أن يشكلا من حيث الأساس، وكما علّمت التجربة من خلال أمثاله في المواقع الأدنى سببين لنفض اليد منه وعدم السماح له بتمييع المواقف وإنامة اليقظة. فمن لا ينظر إلى أوباما كما ينظر إلى أي رئيس أميركي يرتكب خطأ بدهياً في فهم أميركا ومؤسّساتها ونظامها وأهدافها.


انتخابات لمنظمة التحرير وليس لسلطة أوسلو
ياسر الزعاترة*

ليس ثمة حديث عن المصالحة الفلسطينية إلا ويتبع بلازمة حول الانتخابات الرئاسية والتشريعية المتزامنة، وبالطبع من خلال نظام القائمة النسبية بسبب استفادة حماس من النظام الحالي (نصف للقائمة النسبية وآخر للدوائر)، وهي انتخابات يبدي طرف السلطة في رام الله ثقة بكسبها، ليس لاعتبارات الشعبية بالطبع، وإنما لاعتبارات قراءة المشهد في الضفة الغربية حيث تبدو حركة حماس في حالة صعبة بسبب الضربات المتتالية من قبل الأشقاء والأعداء في آن، والأهم بسبب الثقة بإمكانية التلاعب بصناديق الإقتراع بسهولة، حتى لو تمت الاستعانة بخبرات عربية صديقة. ونحن هنا إذ نرفض الانتخابات، فإننا لا نفعل ذلك من منطلق الخوف من نتائجها كما سيذهب بعض صغار العقول، لاسيما بعد الانتصار الكبير الذي تحقق في قطاع غزة، والشعبية الجارفة الذي منحها لحماس، بل نفعل ذلك من منطلق سياسي يتعلق بمصير السلطة والقضية برمتها. هل هناك عاقل يمكنه استبعاد حصول حماس على الغالبية، وأقله المرتبة الأولى، لاسيما إذا ساندتها الجهاد الإسلامي؟ بالطبع لا، وإذا حدث ذلك، ألن يعود المشهد إلى ذات المسلسل القديم، حيث لن يسلم القوم سلطة الضفة إلى حماس، فيما سيفرض الحصار، وتبدأ المؤامرات للالتفاف على النتيجة؟! خلاصة القول هي أننا إزاء انتخابات لها هدف واحد هو منح السلطة للفريق الرافض لبرنامج المقاومة، والذي يمنح صلاحيات الأمن للجنرال دايتون، ويقبل بسائر التزامات خريطة الطريق وشروط الرباعية، لاسيما المتعلقة بالتعاون الأمني والقبول بالواقع القائم مع المضي في برنامج المفاوضات بصرف النظر عن نتيجته. لقد صممت هذه السلطة لخدمة برنامج الاحتلال، أمنيا وسياسياً واقتصادياً، وهي تمنح الإسرائيليين ما يسمونه بالاحتلال الديلوكس، أو الاحتلال الفاخر، حيث صورة الاحتلال لم تعد هي ذاتها (هنا دولتان تتنازعان حول قضايا تفصيلية مكانها طاولة المفاوضات)، واقتصادياً، حيث لا يتحمل الاحتلال المسؤولية عن حياة المدنيين الواقعين تحت ولايته بحسب اتفاقيات جنيف، وأمنياً حيث لا يتواجد بجنوده وموظفيه المدنيين داخل المدن والقرى، بما يعرضهم للموت والإصابة، بل يتواجد خارجها، يدخل وقت يشاء، بالطريقة التي يشاء، ويعتقل ويقتل من دون التعرض لأي أذى، بدليل أن مسلسل الاعتقالات والاجتياحات لم يتوقف طوال سنوات، حتى بعد أن جاء الفريق الجديد المؤمن ببرنامج التفاوض، والرافض لخيار المقاومة. أما ديمقراطية هذه السلطة، فإما أن تكون في خدمة الاحتلال أو لا تكون (يمكن للاحتلال أن يعتقل نواب حماس خلال ساعات كما فعل في المرة الماضية). إذا كان بوسع برنامج من النوع الذي تتبناه سلطة رام الله أن يكسب جزءاً من الشارع الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة بسبب واقع الفئوية والانقسام، فإن الموقف ليس كذلك في الشتات، لاسيما أنه برنامج يهمش قضية اللاجئين، بل يشطبها بشكل عملي. في ضوء ذلك، فإن من العبث الحديث عن إنهاء الانقسام عبر مصالحة فلسطينية عنوانها انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة، لأن جوهر هذه اللعبة هي التنافس على السلطة، وهو تنافس يفضي إلى الصراع، أما الوحدة فلن تكون إلا على خيار المقاومة، لاسيما أن فلسطين، كل فلسطين ما تزال محتلة. الفلسطينيون اليوم في حاجة إلى مرجعية تعبر عنهم، أعني كل الفلسطينيين في الداخل والخارج، وحماس والجهاد ليس لديهما مشكلة في أن تكون منظمة التحرير هي المرجعية، على أن يعاد تشكيلها على أسس ديمقراطية، وهنا يمكن إجراء انتخابات وفق القائمة النسبية في الداخل وانتخابات في الخارج بما أمكن وصولاً إلى قيادة جماعية للشعب الفلسطيني، وبعد ذلك الاتفاق على حكومة مقاومة في الضفة والقطاع، مع العلم أن النتيجة هي عودة الاحتلال المباشر، الموجود عملياً في الضفة، الأمر الذي سيصب في صالح القضية وضد مصلحة الاحتلال، بينما يدار القطاع من خلال توافق بين كافة الفصائل بوصفه قاعدة شبه محررة، تسند المقاومة وتمارسها في آن. وبالمناسبة إن ميثاق م.ت.ف يفرض حصة للمستقلين في المجلس التشريعي. الأمر الذي يجعل نظام القائمة نسبية فقط مناقضاً للميثاق لأنه يحصر التمثيل في المجلس التشريعي والمجلس الوطني بالفصائل فيما النظام الإنتخابي السابق يوفّق بين النسبية والإنتخاب الفردي ومن ثم يتماشى مع الميثاق وهو أكثر عدالة على مستوى تمثيل المناطق كما على مستوى تمثيل المستقلين. ولا حاجة إلى التنبيه أن أصحاب السمعة السيئة والفاسدين يفضلون الإختباء داخل القوائم المعتمدة على النظام النسبي.


في تقويم تجارب التسوية
هاني محجوب*

لندع جانباً النقد الجوهري المبدئي لنهج التصالح مع العدو الصهيوني الذي اغتصب أرض فلسطين وهجّر أغلب أهلها وأقام عليها "دولته". وقد تحوّلت تلك الدولة إلى قوّة عسكرية تهدّد الأمن القومي للدول العربية بعامة، والمجاورة لفلسطين بخاصة، ووصل بها الأمر إلى تهديد الأمن القومي لتركيا وإيران وباكستان على المستوى العسكري، كما تهديد وحدة أراضي الدول تحت استراتيجية "الشرق الأوسط الكبير" الذي ينزع الهوية العربية والتركية والإيرانية والباكستانية والإسلامية عن تلك الدول، والعمل على تفتيت وحدتها الترابية ليحوِّلها إلى ما يشبه الدويلات الفسيفسائية التي تقوم على أسس جهوية وطائفية ودينية وعرقية وإثنية. لندع جانباً الحقوق والثوابت المتعلقة بالقضية الفلسطينية سواء أكانت تلك التي يدعمها التاريخ والوقائع أم الأبعاد الإسلامية والعروبية والوطنية، أم القانون الدولي نفسه الذي ما زال حتى هذه اللحظة يعتبر "الدولة الإسرائيلية" غير شرعية. وذلك بالرغم من عضويتها في هيئة الأمم. وبالرغم من أي اعتراف دولي أو إسلامي، أو عربي بها. لأن صاحب الحق الوحيد والحصري، بناء على القانون الدولي (في ما يتعلق بشعوب المستعمرات) في فلسطين وفي تقرير مصيرها هو الشعب الفلسطيني وحده. ثم لندع جانباً الإدّعاء بأن موازين القوى لا تسمح بالمقاومة بل لا تسمح بممانعة سياسية حازمة. وهو ما ثبت بطلانه عبر التجربة العملية. بلى لندع كل ذلك، لنركز على تقويم تجربة الإتجاه الذي سمّى نفسه بأنه واقعي وأنه يراعي موازين القوى الدولية، واستند إلى مجموعة مقولات دعمت مواقفه السياسية، ابتداء مثلاً من تبني نظرية "المرحلية" أو تطبيق المرحلة الأدنى للإرتفاع منها إلى تطبيق المرحلة الأعلى، أو مقولة أن الوضع العربي تخلف بسبب استراتيجياته العسكرية، ومغامراته (تحميله مسؤولية الحروب التي شنها الكيان الصهيوني بما في ذلك العدوان في حزيران/يونيو 1967). ومن ثم يجب إنـهاء الصراع، ولو بتنازلات مؤلمة، من أجل التركيز على التنمية وإصلاح الأوضاع الداخلية، والدخول في عالم الديمقراطية الفسيح عندما تنتهي حجة "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". بل أن من الممكن لمن يريد تقويم تلك المرحلة التي ابتدأت عملياً بالمعاهدة المصرية - الإسرائيلية ثم تدحرج الموقف الرسمي الفلسطيني إلى اتفاق أوسلو ومن قبله إلى ما سمّي بإعلان الدولة الفلسطينية في الجزائر 1988 أو خطاب الرئيس ياسر عرفات في ستراسبورغ ونظرية "الكادوك" التي اعتبرت ميثاق م.ت.ف أصبح من الماضي وقد انتهت صلاحيته. ثم عليه قس ما تلا من اتفاقات تطبيعية ومعاهدات وصولاً إلى "مبادرة السلام العربية" لعام 2002. أو خطاب محمود عباس، وكان رئيساً للوزراء أمام جورج دبليو بوش وآرييل شارون في قمة العقبة في 3/6/2003. المطلوب فقط أن نعود إلى ما قاله أنور السادات والذين دافعوا عن المعاهدة المصرية - الإسرائيلية، في حينه وما نثروه من وعود ستتحقق بسبب الإنتهاء من حالة الحرب أو حالة "اللاحرب واللاسلم" مع الكيان الصهيوني إلى حالة "السلم" فالتصالح مع أميركا والغرب ووعود التنمية والرفاه والتحوّل إلى نمور إقتصادية وعلمية وثقافية في العالم. فاليوم لا أحد يستطيع أن يردّد تلك الوعود أو يضعها على محك الواقع والتجربة العملية. فقد أثبتت أنها جميعاً كانت أوهاماً إن لم تكن ذراً للرماد في العيون، فإن أحسنا الظن فلتكن الأولى أي الوقوع في الأوهام وهذا معيب لقيادات سياسية وفكرية تظن أنها بلغت شأواً بعيداً في المعرفة والتجربة والحنكة ولولا ذلك لما أقدمت على هذه "الثورة" في المفاهيم والمقولات حول التصالح والسلام سواء أكان مع الكيان الصهيوني أم مع الإدارات الأميركية. فهؤلاء لا يعلمون أن أميركا والكيان الصهيوني يذهبون إلى "السلم" لكي يحققوا من خلاله ما لم يستطيعوا تحقيقه في الحرب. أما إذا كانت الثانية : "ذر الرماد في العيون" فهذه جريمة تدخل في عداد الجرائم التي ترتكب مع سبق الإصرار والتصميم


أوباما وفلسطين وإيران والعراق
آمنة القرى*

اختار أوباما تركيا ليرسل منها رسالته إلى المسلمين بالقول أن أميركا "ليست في حرب مع الإسلام"، وهو ما قالته إدارة بوش وهي في أوجّ حربها ضد الفلسطينيين والعرب والمسلمين. فلم يقل أحد في إدارة بوش أن أميركا "في حرب مع الإسلام". ولهذا فإن الذين صفقوا لهذا الخطاب من أوباما صفقوا لرغباتهم وأمانيِّهم وليس لتغيير يمثله الخطاب. وعندما دخل في الموضوع الفلسطيني ليدلّل على أن بلاده "ليست في حرب مع الإسلام" أعلن تبنّيه لـ"حل الدولتين" التصفوي للقضية الفلسطينية وهو الحل الذي طرحته إدارة بوش، وهي في أوجّ إعدادها للحرب العدوانية على العراق وحصارها للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. هذا وأكد أن الولايات المتحدة ستعمل مع تركيا من منطلق الإلتزام باتفاق أوسلو وخريطة الطريق وتوجهات أنابوليس مؤكداً أن على الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني التمسّك بما سبق واتفقا عليه ويقصد بذلك ما أنجزته المفاوضات الثنائية السرّية. فأوباما لم يخرج عن سقف إدارة بوش شعرة واحدة عدا في التعاون مع تركيا لتساعد في التقريب بين الطرفين. فالتغيير الوحيد، والذي سرعان ما سيسقط بعد اللقاء الأول مع نتنياهو هو التشارك مع تركيا في الموضوع الفلسطيني وليس في الموضوع السوري فقط. لأن أوباما لا يستطيع أن يفرضه على نتنياهو. وهو يعرف ذلك. إذا كانت القضية الفلسطينية هي حجر المحك للتغيير في أية سياسة فإن أوباما حتى الآن لم يختلف عن إدارة بوش أو عن الموقف الصهيوني الذي عبّرت عنه حكومة أولمرت. أما إذا نشأ تناقض مع حكومة نتنياهو، وعلى التحديد، مع ما طرحه وزير الخارجية ليبرمان فهو إعلان الأخير رفضه للسقف الذي حدّدته إدارة بوش وحكومتا شارون وأولمرت. ومع ذلك فإن التجربة هي التي ستكشف كيف سيتعامل أوباما مع هذا التحدّي الذي بادرت إليه حكومة نتنياهو، وما سيقدمه نتنياهو مقابل عودته إلى سقف أولمرت - بوش، أو قريباً منه. لأن نتنياهو ترك ليبرمان يرفع السقف ليساوم عليه، وليس ليقف عنده ويجبر إدارة أوباما على الخضوع له. على أن المحك الآخر سيكون الموقف من إيران والملف النووي الإيراني. وقد ظهرت علائم تغيير عن سياسات بوش في نقطة واحدة فقط وهي المفاوضات المباشرة مع إيران وما حمله الخطاب من مديح عام للشعب الإيراني ودعوته ليحتل موقعه اللائق بين الدول ولكن شريطة "التخلي عن التسّلح". ويقصد التخلي عن تطوير قدرات إيران في المجالين النووي والسلاحي (لاسيما الصاروخي). كما اشترط التخلي عن "الإرهاب" ويقصد المقاومتين اللبنانية والفلسطينية. وبهذا لا يكون التغيير بالنسبة إلى إيران قد مسّ الموقف الأساسي لسياسات إدارة بوش وإنما اختلف الأسلوب في تحقيق السياسات أو الأهداف نفسها أي التركيز على المفاوضات والمساومة. ولكن بالتأكيد من دون التخلي عن ألوان الضغوط التي عبّر عنها تجديد إدارة أوباما للعقوبات على إيران، ومن دون التعهّد بالتخلي عن العقوبات لاحقاً، مع إبقاء خيار الحرب على الطاولة بشكل أو بآخر. فهذا الخيار لم يُسقطه وزير الدفاع روبرت غيتس في إدارة أوباما. علماً أنه كان وزير الدفاع في إدارة بوش. ومن ثم لم يكن إبقاؤه وزيراً للدفاع في إدارة "التغيير" بلا مغزى، أو بلا رسالة لمن يهمه الأمر. وكذلك جاءت تصريحات هيلاري كلينتون في جلسة الإستماع مع "لجنة السياسة الدولية" لمجلس النواب الأميركي حيث أكدت أن إدارة أوباما تعدّ لعقوبات "قاسية جداً"، ضد إيران إذا لم تستجب إلى العروض المقدّمة لها في المفاوضات، كما شددت على أن السياسة الخارجية الأميركية ستعتمد نهج: استخدام الديبلوماسية والقوة العسكرية. أما من الجهة الأخرى فإن دلائل كثيرة تشير إلى أن إدارة أوباما متجّهة إلى اعتبار تخلي إيران عن برنامجها النووي والتسّلحي إلى جانب تخليها عن دعم المقاومتين في لبنان وفلسطين أولوية الإستراتيجية الأميركية للسنتين القادمتين. وهو ما سيظهر في جلاء أشد بعد الإنتخابات الرئاسية الإيرانية في حزيران القادم. فإدارة أوباما كما يبدو تريد المساعدة لحدوث تغيير في رئاسة إيران. فإذا لم يحدث، أو إذا حدث، فسوف تنجلي السياسات الأميركية القادمة إزاء إيران. فالتهدئة الراهنة لا تمثل النهج القادم مع إيران. فهي تهدئة مرتبطة بالإنتخابات، وبعدئذ ستنكشف أبعاد سياسة إدارة أوباما إزاء إيران


فلسطنة العرب وتعريب الفلسطينيين
منير شفيق*

لقد كان من بدهيات الوعي الفلسطيني والعربي في آن واحد أن فلسطين قضية عربية كما هي قضية فلسطينية، وهي قضية إسلامية كما هي قضية عربية، وهي قضية أحرار العالم كما هي قضية الفلسطينيين والعرب والمسلمين. ولكن هذا الوعي بدأ يتآكل لدى بعض النخب والقيادات السياسية على المستويات الأربعة الفلسطينية والعربية والإسلامية والعالمية. ولم يبق إلاّ قلة داخل فصائل م.ت.ف ممن استمروا بالتمسّك بالثوابت ورفضوا الخضوع لرياح تلك النخب وابتزازها واحتلالها موقع الصدارة السياسية لدى بعض فصائل المقاومة في منظمة التحرير الفلسطينية وقد وصل الأمر إلى تغيير ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية. لقد بدأ التآكل مع القرارين اللذين استهدفا فلسطنة القضية الفلسطينية وسلخها عن أبعادها العربية أولاً والإسلامية ثانياً والتحرّرية العالمية ثالثاً. والقرار الأول كان ما سمّي ببرنامج النقاط العشر والذي مهّد لجعل الهدف الفلسطيني الأول إقامة دولة فلسطينية على جزء من أرض فلسطين. بل مهّد إلى ما سُمّي لاحقاً بـ"حل الدولتين" حلاً نهائياً للقضية الفلسطينية. أما القرار الثاني فكان اعتبار م. ت. ف الممثل الشرعي والوحيد للقضية الفلسطينية لكونها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وهو القرار الذي أراد منه السادات حل مشكلة احتلال سيناء من دون ربطه باحتلال قطاع غزة باعتبار أن الأخير أصبح من مسؤولية الممثل الشرعي والوحيد. والأخطر أن قرار الممثل الشرعي والوحيد أُريد منه غسل يدَيْ المسؤولية الرسمية العربية من تحرير الأراضي التي احتُلت عام 1967 ناهيك عن الأراضي التي اغتُصِبت وهجِّر منها حوالي مليون فلسطيني عام 1948/1949. وقد عبّر بعض القادة عن هذا القرار بشعار لاحق: "نرضى بما يرضى به الفلسطينيون" أو لسنا ملكيين أكثر من الملك". وبهذا جُعِلَ من منظمة التحرير بعد محاصرتها وإضعافها وإعادة صوغ برنامجها وسياساتها مدخلاً للتطبيع والتنازلات العربية وصولاً للإعتراف بالدولة العبرية أو الوعد بالإعتراف كما عبّرت عن ذلك مبادرة السلام العربية لعام 2002. فهذان القراران هما اللذان قادا إلى اتفاق أوسلو ثم إلى سلسلة التنازلات التي حدثت حتى الآن وهما اللذان قادا، بالتالي، إلى ما آلت إليه حالة فتح وحال فصائل منظمة التحرير الفلسطينية كما منظمة التحرير الفلسطينية برمتها الآن. وباختصار: فلسطنة القضية الفلسطينية أدّى إلى قطع حبلها السري بالعرب والقضية العربية ثم قطعها عن العالم الإسلامي ثم عن حركة التحرّر العالمي وأحرار العالم. ولكن "الفلسطنة" أدّت بدورها إلى تكريس تقسيم الشعب الفلسطيني إلى داخل وخارج. والداخل: الضفة الغربية وقطاع غزة والخارج مناطق اللجوء، وانسَ عرب فلسطين المحتلة في 1948. وبهذا أصبحت الفلسطنة أقل من نصف فلسطينية وذلك بإتباع م.ت.ف بعد شلها وتفريغها إلى ما سمّي "السلطة الفلسطينية" التي أريد لها أن تستولي على القرار الفلسطيني في الإنفراد بحل القضية الفلسطينية على أساس مشروع "حل الدولتين" الذي بلوره سيء الذكر جورج دبليو بوش والذي تعهّد فيه إلى إقرار ما حصل من تغيير في الواقع الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس إلى المستوطنات والطرق الإلتفافية وما سيلحق من أراض ضمها الجدار والأغوار. والأهم تعريفه "لحل الدولتين" باعتبار إحداهما دولة الفلسطينيين والثانية دولة اليهود. وبهذا ينتهي موضوع حق العودة وينتهي حق الفلسطينيين الذين بقوا تحت الدولة العبرية في وطنهم ليصبحوا "مقيمين" في دولة لليهود فقط بما يسمح بترحيلهم لاحقاً إلى "دولتهم". وهذه "الدولة" المقطعة والمختزلة بما حدث فيها من وقائع جديدة (مستوطنات وقدس مهودّة وضم أراض، وجدار وحدود تمتد على طول نهر الأردن مبتلعة للأغوار) يجب أن تكون "قابلة للحياة" لأنها لم تعد "قابلة للحياة" في حد ذاتها وهنا ستبدأ مخططات التوطين والوطن البديل خارجها بل التهجير من داخلها. مثلاً القرية التي يأخذ الجدار أرضها الزراعية لا تصبح قرية فلا قرية ولا فلاحين بلا أرض زراعية. ولهذا تدخل في إطار "مخيمات اللاجئين" أو في عملية التهجير الإختياري. أما القابلية للحياة فتتم عبر المساعدات من الدول المانحة أو الدول الأخرى التي يمكن ابتزاز أموالها من دون السماح لها بالتدخل. "فالقابلية للحياة" تعني "الدولة" التي لا تقوم على كل الأراضي المحتلة في الضفة الغربية في العام 1967. تلكم النتيجة العملية لقراري "الفلسطنة" وتداعياتهما العملية في السياسة والأخلاق والإيديولوجية وفي الإنحلال التنظيمي للفصائل ولا ننس شراء الضمائر والفساد. وبالمناسبة يجب أن يلاحظ أن كل ما قيل حول "البرنامج المرحلي" في حينه ثم "إعلان الدولة" ثم "اتفاق أوسلو" مروراً بالإعتراف "الواقعي"، و"الإعتراف التلميحي"، والإعتراف من خلال قرارات هيئة الأمم... ثم الإعتراف الفصائلي أو عبر م.ت.ف بالدولة العبرية ثم المفاوضات المباشرة وصولاً إلى خريطة الطريق (جعل المفاوضات الثنائية المرجعية في حل القضية الفلسطينية بما حوّل القرارات الدولية وحتى اتفاق أوسلو إلى مجرد مرجعية لا تلزم بشيء فالإلتزام يكون في ما تنتهي إليه المفاوضات وهكذا). يعني أن ما قيل لتبرير التنازل في كل مرحلة كان مجرد استدراج لا يصل إلى الحل وإنما هو دركة تحتها دركات من التنازلات المطلوبة فمثلاً ما وصلته مع الرئيس الفلسطيني من درجات (دركات أصحّ لغوياً) لم يكن كافياً مما اقتضى محاصرته واغتياله ليسقط شهيداً عند تلك الدرجة التي وصلها ولم يستطع ولم يقبل أن ينزل إلى التي دونها ليستبقي حياته فقط. لأن ثمة دركات أخرى كانت تنتظر وهي التي نزل إليها الرئيس محمود عباس في المفاوضات الثنائية ولم تكن كافية كذلك وهو عند مفترق طرق الآن يفكر في الدرجة الأخرى المطلوبة. ولهذا فإن على الذين استدرجوا وظنوا أن ما كان مطلوباً منهم في حينه سيحل المشكلة وينتهي بهم إلى دولة الأراضي المحتلة 1967 عليهم أن يراجعوا تلك التجربة المريرة. ويعودوا عن تلك الأوهام إلى مربع المنطلقات التي وضعتها حركة فتح واستقرّ عليها ميثاق م.ت.ف 1968 والأفضل منه ميثاق 1964 (الشقيري) من حيث الثوابت الفلسطينية.


فلسطين : المصالحة والحوار
موسى أبو سليمان*

إنّ موضوع المصالحة والحوار في الساحة الفلسطينية فيشكل حاجة وضرورة إذا ما انتهى إلى اتفاق حول تبني استراتيجية المقاومة والممانعة والإنتفاضة والسعي لأوسع حشد عربي وعالمي ضد الإحتلال الصهيوني وفي دعم مقاومة الشعب الفلسطيني لدحره بلا قيد أو شرط إلى خطوط هدنة الرابع من حزيران 1967. أي خطوط هدنة 1948/1949. ولكن مع تأكيدنا أنّ الهدف الأسمى هو التحرير الكامل لكل فلسطين. أما موضوع الإنتخابات أو الإحتكام إلى صناديق الإقتراع في إعادة بناء م.ت.ف بعد الإتفاق على مشاركة حماس وحركة الجهاد فيها، أو في إعادة تشكل السلطة الفلسطينية واختيار رئاسة جديدة للسلطة فطريق خطر قد يؤدي مرة أخرى إلى ما أدّت إليه انتخابات 2006 التي جاءت بأغلبية حماسية كبيرة إلى المجلس التشريعي. ليس من السهل لأحد في هذه الأيام التي ارتفعت فيها الديمقراطية إلى مستوى التقديس، عن صدق أو عن نفاق، أن يبحث عن بدائل للإحتكام إلى صناديق الإقتراع. فانطلاقاً من هذا التقديس للديمقراطية اعتبُِرت صناديق الإقتراع المصدر الوحيد أو الأوحد للشرعية، ولحسم الخلافات، ولاختيار الشعب لقادته وحكامه. والنموذج بالطبع يرجع إلى الديمقراطية الغربية، وعلى التحديد ديمقراطية ويستمنستر البريطانية أولى الديمقراطيات الرأسمالية أو أمّها ولادة وتجربة وثباتاً. ولكن هذه الديمقراطية لم تنل ما تستحقه من الدراسة والتمعن سواء أكان على مستوى تجربتها الغربية وما توفر من شروط لنجاحها هناك أم كان من ناحية إمكان نجاحها أو نتائجها في ظروف البلاد التي يراد لشعبها وقواها السياسية أن تلجأ إليها، وعلى التحديد، في الساحات العربية، بل على الخصوص في الساحة الفلسطينية موضوع هذه المقالة. بالتأكيد، وباختصار، نشأت الديمقراطية الغربية ضمن مسارات ومعادلات موازين قوى داخلية وخارجية، سياسية وعسكرية واقتصادية تختلف جوهرياً عن المسارات والمعادلات المقابلة في بلداننا العربية وعلى التحديد الظرف الفلسطيني منها. بل يمكن القول إن الإختلافات بين الحالتيْن (الحالات) تكاد تكون متعاكسة 180 درجة وليس مجرد اختلاف يحتملها التعدّد الديمقراطي الذي شهدته التجارب الغربية أو التجربتين الهندية واليابانية. نشأت الديمقراطية وترعرعت وترسّخت في إنكلترا - بريطانيا في ظل دولة مستقلة سيدة في العالمين (رأسمالية إمبريالية) لا يستطيع أحد أن يتلاعب في شأنها الداخلي ليؤثر في نتائج الإنتخابات، وقد راحت ثروات نهب المستعمرات والتجارة العالمية غير العادلة في مصلحتها تتدفق عليها. مما سمح بضبط النظام من خلال مؤسسات وأجهزة لا يُرى فعلها في ضبط العملية الديمقراطية كما سمح بإشاعة مستوى من الرفاه العام إلى جانب حصر نتائج التداول على السلطة بين حزبين أو أكثر قد اتفقا على الإستراتيجية الخارجية وعلى طبيعة الدولة. فكان التحكم بالرأي العام من جهة وكان التحكم بالمرشحين المتنافسين على السلطة بحيث تأتي النتائج مضمونة في الحفاظ على النظام واستراتيجيته الخارجية. وهذا يفسّر سبب الإستقرار وسبب التداول الميسور على السلطة من دون هزات زلزالية تضرب أسس النظام أو جوهر استراتيجيته الخارجية. الفارق الأساسي من حيث نتائج العملية الإنتخابية في نظام شمولي أو نظام ديمقراطي يكمن في الشكل أو الأشكال التي توصِل إلى الترشيح وتحدد المسار. ففي النمط الشمولي يُلجأ إلى التعيين المباشر وأحاديْ الخيار في المنافسة الإنتخابية فيما يلجأ النمط الديمقراطي إلى توزيع الخيار بين حزبين من طينة واحدة من حيث موقفهما من طبيعة النظام ومن استراتيجيته الخارجية، كما أن عملية اختيار المرشحين داخل الحزبين مُسيطر عليها ولكن ضمن آليات أو "مناخل" تبدأ عملها بصورة ناعمة غير خشنة منذ أن ينضم العضو إلى أحد الحزبين ويبدأ بالتدرج. ومن ثم لا يصل إلى مستوى ترشيحه من قِبَل حزبه إلاّ بعد أن يكون قد أثبت ولاءه المطلق بأكثر ما يفعل عضو الحزب الشمولي، وبعد أن يكون قد كبِر ملفه الضابط له سواء أكان لدى الأجهزة المعنية أو لدى أجهزة الحزب نفسه. ثم يأتي بالإضافة إلى كل ذلك قدرة النظام الديمقراطي في التحكم بالرأي العام. مما ينفي الحاجة إلى التزوير، فيما لا يستطيع النظام الشمولي أن يضمن الرأي العام فيهرب من لعبة المنافسة ومن عملية الإنتخاب الحر النـزيه.


QQ

المحتوى

  ملف حرب العدوان على قطاع غزّة إنتخابات لمنظمة التحرير وليس لسلطة أوسلو
  فريق إعداد الكتاب التاسع عشر من "سلسلة كتب موازين" ياسر الزعاترة
  في تقويم تجارب التسوية باراك أوباما والتغيير
  هاني محجوب علان بلال
  فلسطنة العرب وتعريب الفلسطينيين أوباما وفلسطين وإيران والعراق
  منير شفيق آمنة القرى
  فلسطين : المصالحة والحوار الإصلاحيون الإسلاميون وصدمة الحداثة
  موسى أبو سليمان رفيق عبد السلام