|
September 8, 2010, 3:22 am
|
تساؤلات في الإطار النظري للسياسات الاقتصادية العربية*
زياد الحافظ**
أود في هذه الورقة التي تأخذ طابع المحاولة وفقا للمفهوم الغربي (essay) طرح تساؤلات حول بعض المفاهيم الأساسية التي تشكّل قاعدة السياسات الاقتصادية المتبعة سواء كانت في العالم أو في مختلف أقطار الوطن العربي. ويعود ذلك إلى قناعة ترسخت مع الزمن وبسبب تجاربنا التي امتدت على أكثر من أربعة عقود في البحث والعمل في الميدان التنموي، قناعة بأن الإطار النظري القائم لحلّ مشكلات المجتمع لم تعد قادرة على رسم الحلول الممكنة. ولا يمكننا أن نخفي تحفظّاتنا على العديد من ما يعتبر من المسلمات في التحليل الاقتصادي والسياسات الاقتصادية المتبعة في الغرب والتي فرضت على النخب الحاكمة في الوطن العربي بسبب الغزو الثقافي الذي رافق الاستعمار وما بعد الاستعمار الغربي لمعظم الأقطار العربية لتكريس مبدأ الدولة القطرية على حساب مفهوم الوحدة ومضمونها. والهدف من هذه الورقة حث مختلف الاقتصاديين العرب على مراجعة منهاج الفكر الاقتصادي وبالتالي السياسات الاقتصادية بشكل تكون أولا منبثقة من واقعنا ومن تراثنا العربي الإسلامي وثانيا لطرح مقاربة جديدة يمكن تعميمها على مختلف الأمم والشعوب. ذلك أن نموذج العمل الاقتصادي (business model) القائم حتى انفجار الأزمة المالية وصل إلى طريق مسدود ولم يعد صالحا لمعالجة كافة القضايا الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عنه وعن البيئة المُعولمة التي فرضت نفسها على الجميع بسبب الثورة التكنولوجية في المواصلات والتواصل والنقل.
المنطلق الأوّل لهذه المقاربة هو أن الاقتصاد ليس علما رياضيا قائما بحد ذاته بل هو أقرب إلى السياسة بل ربما هو السياسة بحد ذاتها ولكن بلغة الأرقام. وبالتالي من الأفضل التكلّم عن اقتصاد سياسي بدلا من اقتصاد مجرّد من لباسه السياسي كما هو دارج في الجامعات الانكلوسكسونية تحت مصطلح (economics). المنطلق الثاني هو أن ما هو معروف بالاقتصاد الكلاسيكي أو الليبرالي أو الوضعي الذي يعتمد آلية الأسواق والتنافس لترشيد استعمال الموارد والاستثمارات هو اقتصاد مبني على فرضيات تحتم النتائج التي يصل إليها وتشكّل قاعدة السياسات الاقتصادية.غير أن هذه الفرضيات إماّ هي غير واقعية في أحسن الأحوال أو غير صحيحة في أسوئها. والمأزق الذي يقع فيه مجمل النظريات والسياسات الاقتصادية يقرّ بشكل أو بآخر بالثغرات القائمة في قاعدة الفرضيات. لكن هناك إصرار من المجتمع الاقتصادي المسيطر في الجامعات الغربية على اعتبار النتائج التي وصلت إليها النظرية ما زالت مقبولة وإن كانت فرضياتها المبنية عليها عرضة للشك والمراجعة. هذا هو المأزق أي بشكل مبسّط هو الإقرار بنتائج النظريات والسياسات المنبثقة عن فرضيات مشكوك بصحتها مهما كلّف الأمر. وبناء على ذلك فإن المقاربات المختلفة للإقتصاد العربي بشكل عام والمبنية على تلك النظريات لا تستطيع حلّ مشكلات المجتمع في الدول النامية والمتقدمة. أما في ما يتعلّق بالمجتمع العربي فواقع الحال يفرض إعادة نظر شاملة في أدوات التحليل.
المنطلق الثالث هو أن ثقافة إنتاج الثروة في الوطن العربي مفقودة أو مغيّبة أو مهمّشة بشكل متعمد. ويحّل مكانها اقتصاد ريعي يوّلد ثقافة استهلاكية وثقافة توزيع مترسخة منذ أكثر من ألفي سنة وتعتمد على الولائات الفئوية التي تسود النظم السياسية القائمة. وبالتالي، فإن السياسات الاقتصادية المعتمدة سياسات تهدف إلى تمركز الثروة في يد المجموعات الملتفة حول العائلات الحاكمة والمتحكمة بمقاليد الوطن في مختلف الأقطار وفقا لبنى سياسية فئوية بامتياز سواء كانت قبلية أو عشائريية أو طائفية أو مذهبية أو مناطقية أو قطاعية منفردة أو مجتمعة. وهذه الأنظمة الفئوية حوّلت منطق الدولة والقانون إلى وسيلة تؤمن ديمومة النظام القائم وتعتمد الفساد كأداة توزيع المنافع والمواقع وفقا للولائات المذكورة أعلاه. ويمكن للقارئ العودة إلى البحث المفصّل الذي تقدمنا به في ندوة عن البنية الاقتصادية والأخلاقيات في الوطن العربي، ندوة أقامتها المنظمة العربية لمكافحة الفساد في تشرين الأول 2008(1) .
|
|
11 سبتمبر فرصة أم ورطة؟ بعد أكثر من ثماني سنوات من "الحرب على الارهاب"
راشد الغنّوشي*
1- لقد بدا وكأن الولايات المتحدة عبر محافظيها المتصهينين تعاملت مع 11 أيلول/سبتمبر على أنه فرصة أكثر منه كارثة. وأنه كنـز ينبغي لها أن تستغله لأبعد مدى، وأنه ضرع تحتلبه، مع أن تجربة التاريخ تثبت أن مثل هذا السلوك الاستسلامي لنشوة القوة وغرورها كان أبدا مقتل الإمبراطوريات التي تذهلها القوة الغاشمة سبيلا لإخضاع الشعوب، عن حقيقة أن الناس إنما تحكمهم المعاني والقيم والعقائد أكثر مما يحكمهم التهديد والتخويف، وأنه على قدر إفلاس قوة دولية من هذا الرصيد-كما تبدو الإمبراطورية الأميركية اليوم -بقدر ما يكون ذلك مؤشر شيخوخة وأذانا بالغروب، ودليل فشل في الامتحان.
2- لقد بدت كارثة 11 أيلول/سبتمبر فرصة لا للولايات المتحدة فحسب وإنما أيضا للقوى المتشابكة مع مسلمين بسبب إصرارهم على التحرر من استعمارها واحتلالها لأراضيهم، فاعتبرت تلك القوى أن حملة الولايات المتحدة "الصليبية" على الإرهاب فرصتها الذهبية لإدراج حربها على المسلمين تحت نفس الغطاء "الحرب على الإرهاب". فهم مثل الولايات المتحدة ضحايا لإرهاب نفس الجهة.
ولقد تزعم الصهاينة -كالعادة- منذ اليوم الأول للحدث تبنّي هذا النهج إذ اعتبروا عرفات صورة أخرى لابن لادن لتبرير التخلص منه وتعويضه بكرزاي فلسطيني وأن جماعة القاعدة نسخة مطابقة لحماس والجهاد وحزب الله، فصعّدوا حملتهم الوحشية على كل شيء في فلسطين واجدين دعما غير مجذوذ من الأميركيين وحتى من الأوروبيين، مسلطين حجما لا يطاق من الضغوط على السلطة الفلسطينية لقمع شعبها والتورط في حرب أهلية، على أمل الحصول بعد ذلك على ثمن من اليهود والأميركيين.
وليس يختلف عن ذلك ما انتهجه الهنود في مواجهة ثوار كشمير، إذ شددوا حملتهم على حركات تحريرها حتى أدرجت مثل أخواتها في فلسطين ولبنان ضمن قائمات الإرهاب، وسلطت ضغوطاً هائلة على "مشرّف" لحمله على قمع شعبه، رغم إباحته بلاده لصالح حرب أميركا على الإرهاب. وانتهى الضغط على الجيش الباكستاني لتوريطه في شن الحرب على شعبه بما، يهدد وحدة البلد وتجريده من سلاحه النووي.
وانتهجت روسيا نهجا مماثلا في حربها الوحشية على بلاد الشيشان فعملت على أن تنتزع ثمنا لدعمها المجهود الحربي للولايات المتحدة هو اعتبارها هي الأخرى ضحية نفس الإرهاب الإسلامي ومباركة حملتها النازية.
وحتى الصين لم تتردد رغم حساسية علاقتها بالولايات المتحدة في استغلال حدث 11/9 ضد الأقلية المسلمة في بلاد التركستان الشرقية التي كانت مستقلة حتى 1948 حين استولت عليها الصين ودعتها سينيانغ.
|
|
تركة جمال عبد الناصر (بالأرقام والوثائق والأدلة) أين ذهبت؟ وكيف تبددت؟!!
عمرو صابح*
عندما تسلم جمال عبد الناصر حكم مصر كانت مصر دولة فقيرة متخلفة صناعياً، محصولها الزراعى الأساسي هو القطن الذى كان حكراً بيد طبقة من الإقطاعيين والمضاربين والأجانب.
كان الاقتصاد المصري متخلف وتابع للاحتكارات الرأسمالية الأجنبية، كان هناك 960 شخصاً فقط يسيطرون على كل الوظائف الأساسية فى مجالس إدارات الشركات الصناعية، من بين هؤلاء نجد 265 مصري فقط.
وكان بنك باركليز الإنكليزى يسيطر وحده على 56 % من الودائع، وكان بنك مصر قد تمت السيطرة عليه من جانب رؤوس الأموال الإنكليزية والأميركية.
كان الاقتصاد المصري عاجزاً بسبب ارتباطه بالمصالح الأجنبية عن طريق البنوك وشركات التأمين والتجارة الخارجية فى الصادرات والواردات وكانت كل مرافق الاقتصاد المصري بيد الأجانب واليهود.
الأمر الذى دعا الإقتصادي المصرى الكبير الدكتور عبد الجليل العمري أن يصفه: (لقد كان الاقتصاد المصري كبقرة ترعى فى أرض مصر، ولكن ضروعها كانت كلها تحلب خارج مصر).
إن الوثائق التاريخية تقدم لنا حقائق حالكة السواد عن أوضاع مصر الداخلية قبل الثورة، كانت أخر ميزانية للدولة عام 1952 تظهر عجزاً قدره 39 مليون جنيه.
كما أن مخصصات الاستثمار فى مشروعات جديدة طبقا للميزانية سواء بواسطة الدولة أو القطاع الخاص كانت صفراً.
كما أن أرصدة مصر من الجنيه الإسترليني المستحق لها في مقابل كل ما قدمته من سلع وخدمات وطرق مواصلات لخدمة المجهود الحربي للحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية وكان يبلغ 400 مليون جنيه إسترلينى قد تم تبديده ولم يتبق منه إلا 80 مليون جنيه إسترليني.
(أثارت جريدة الوفد فى الثمانينيات هذه القضية أن مصر كانت دائنة لبريطانيا قبل الثورة والوثائق التاريخية تثبت أن المبلغ المتبقي من الدين وهو 80 مليون جنيه أسترليني رفضت بريطانيا إعطاؤه لمصر طوال فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر نكاية في عبد الناصر وسياساته ضدها، ولم تفرج عنه إلا فى منتصف السبعينيات في عهد السادات الذى أعترف بذلك في مذكراته).
وكان النهب الذى لحق بالأرض الزراعية فى مصر طوال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، نهباً احتكرته أسرة محمد علي فى البداية ثم أباحت نصيباً منه للمرابين الأجانب، ولطبقة من المصريين محدودة جداً عملت على خلقها لكي تكون ظهيراً لها أمام الغالبية، ثم أحتل الإنكليز مصر عام 1882 فعملوا على خلق طبقة تدين لهم بالولاء وتتبنى نمطهم الحضارى ووزعوا على أفرادها ألاف الأفدنة، في ظل ظروف مريبة وشديدة القسوة على الفلاح المصري المقهور الذى تم تركه فريسة للجهل والفقر والمرض، لا يمتلك إلا جلباباً واحداً، ولا يجد قوت يومه، ويعامل كالعبيد لخدمة أسياده من الإقطاعيين.
وكانت شركة قناة السويس تجسد المأساة المصرية بكل أبعادها، فالقناة التي حفرت في أرض مصر وبأيدي عشرات الآلاف من المصريين الذين جرت دماؤهم فيها قبل أن تجري مياه البحر، تم سرقتها من مصر، وأصبحت شركة قناة السويس دولة داخل الدولة لها علم خاص وشفرة خاصة وجهاز مخابرات خاص وحي خاص محرم دخوله على المصريين.
وكان رئيس الشركة يعامل كرؤساء الدول محاطاً بكل مراسم التبجيل والاحترام ولا يجرؤ مسؤول مصري على حسابه عن شيء.
|
|
فصل في بؤس الرقابة العربية
فيصل جلّول*
ينسب إلى كاتب فرنسي نهضوي قوله "أعطني جملة واحدة وأنا اضمن تعليق صاحبها على حبل المشنقة" ويفسر هذا القول على وجوه عديدة من بينها قابلية النص للرد إلى حدود المقصلة وتجرده من الحصانة شأنه شأن كل أقوال البشر. وكلما صعب الرد على كلام معبّر كلما اكتسب قوة ومنعة وصار مرجعاً مرشحاً للتداول فلا حياة ولإبقاء للأقوال التافهة والعابرة أو الجبانة التي لا تستحق الاهتمام أي الرد.
أدخل من هذا الباب للحديث عن "الرقابة" في عالمنا العربي ذلك أن الأجهزة المعروفة في عدد من دولنا ما زالت تعتقد أن بوسعها تسييج الرأي العام عبر منع مطبوعات من التداول وآراء من الانتشار على الملأ انطلاقا من تقدير غبي بأن رؤوس العرب تشكل قطاعا عاما جديرا بالحراسة بوسائل إدارية من الأفكار والآراء المناهضة أو الشريرة أو الهدامة أو المخالفة .. الخ.
وتصل إلينا بين الحين والآخر عبر الشبكة العنكبوتية أنباء تفيد أن هذه المطبوعة منعت في هذا البلد العربي بسبب مقال وان كتابا منع من التداول في بلد آخر أو فليما سينمائيا تم حظره في بلد ثالث أو مسلسل تلفزيوني لم ينل رخصة العرض في بلد رابع لأنه يؤثر على سلامة تفكير الرأي العام.
والحق أن الرقابة ليست قاصرة على العالم العربي ففي الغرب يقلدنا البعض أحياناً عبر إجراءات قمعية لا تقل غباء عن إجراءاتنا فقد منعت قناة "المنار" من البث في عدد من الدول الأوروبية وفي الولايات المتحدة للحفاظ على سلامة تفكير الرأي العام عندهم من أقوال القناة اللبنانية وعندما لا تمنع وسائل الإعلام تشن حملة غبية على النصوص المخالفة لتشويهها وشيطنتها عبر دمغها باللاسامية أو الأصولية أو ما شابه ذلك.
والثابت أن الرقابة ليست إرثاً عربيا أو إسلامياً فقد كان العرب يتداولون في الشؤون العامة أمام الملأ دون رقيب وأرجح أننا استوردناها مع الأفكار والسلع التي جاءتنا من الغرب ومثالها الأشهر محاكم التفتيش الأندلسية وأيضاً المحاكم المكارثية الأميركية التي أجهزت في الخمسينيات في ذروة الحرب الباردة على النخبة اليسارية وطهرت أجهزة الدولة من كل المتهمين باعتناق أفكار شيوعية أما في القرون الوسطى فقد كانت الجامعات تلعب هذا الدور ومنها جامعة السوربون التي كانت تتولى السهر على منع انتشار الأفكار المخالفة للكنيسة. ولابد من الإشارة إلى أن مفكري ما بات يعرف بعصر التنوير تعرضوا بمعظمهم للرقابة والمنع والملاحقة بل أن فولتير وهو أبرزهم كان يسكن على الحدود الفرنسية السويسرية حتى إذا ما تعرض للملاحقة في فرنسا بسبب آرائه كان ينتقل بسرعة إلى جنيف لكي يكون بمنأى عن هراوة الرقيب.
|
|
أنيس الصايغ ..فلسطيـن كلّــها
بسام الهلسة*
دخل زميلي في العمل المكتبَ بعد ظهر يوم السبت (26/12/2009) وسألني: هل سمعت الخبر؟ وإذ رفعت إليه بصري متسائلاً، قال بتأثر: توفي أنيس الصايغ اليوم في عمّان.. فانطلقت الكلمات على لساني عفوية: يرحمك الله يا دكتور أنيس.. يرحمك الله.
مع أنني كنت أقرأ له وأسمع أخباره منذ وقت طويل، إلا أنني لم ألتقِ به سوى في تشرين الأول - أكتوبر من العام 2004 في بيروت، في مكتب الراحل "رفعت النمر" حيث أجريت معه حواراً مطولاً نشر في صحيفة "الدستور" الأردنية. وبرغم سِنِّه التي جاوزت السبعين آنذاك، والآثار التي خَلّفتها محاولة جهاز المخابرات الإسرائيلي الخارجي المعروف باسم "الموساد" لاغتياله في السبعينيات من القرن الماضي، فبترت أصابعه وسَبّبت له ضعفاً في البصر والسمع، برغم ذلك، إلا أنه بدا لي حيوياً، منهجياً، مسيطراً على تدفق أفكاره، جامعاً بين هدوء رجل العلم والبحث والمعرفة، وحميَّة وإصرار الشاب الذي كانه في خمسينيات القرن العشرين، المصمم على تحرير فلسطين السليبة واستردادها والعودة إليها، وتغيير الواقع العربي البائس.
يضاف إلى هذا، التواضع الشديد في شخصيته، وهو ما لاحظته في هذا اللقاء وفي لقاءات أُخرى لاحقة.
كنت بالطبع، على دراية منذ السبعينيات، بآراء ومواقف الدكتور أنيس، مما عُرف حينها باسم مسيرة التسوية، ومن دُعاتها العرب والفلسطينيين، منذ ابتدائها بعد حرب تشرين الأول - أكتوبر 1973. فقد رأى فيها الطريق التي ستفضي إلى التّخلّي عن المقاومة، والصراع مع العدو، والتنازل عن الحقوق العربية.
وما كان باستطاعته أن يوافق على هذه السياسة، وهو الذي كَرَّس عقله وقلمه وعمله لفلسطين وللأمة العربية، منذ بواكير وعيه. فلو كان ممن يرضون بالمساومة على المبادئ والحقوق، أو حتى القبول بموقف الصمت تجاهها كما يفعل آخرون من الأكاديميين والمثقفين، لكان سهلاً عليه، وهو الحائز على أعلى الدرجات العلمية من أرفع الجامعات الغربية أن يجد الترحاب والقبول لدى عشرات المؤسسات العربية والأجنبية.
|
|
مدى إمكان محور عربي جديد
علي فخر الدين*
بات المشرق العربي في وضع أزمات متلاحقة متصاعدة وبحالة انفجارات متتالية في كثير من نقاطه، وأن هذه الأزمات مرتبطة بطرفين أساسيين هما الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأميركية.
فالتهديدات الصهيونية تتوالى يومياً ضد حزب الله وحركة حماس بل ضد الشعب الفلسطيني بأكمله سواء أكان في الضفة أم في معقل قطاع غزة.
كما ان التدخل والوجود الأميركي بعد أن شرع في تمزيق أفغانستان والعراق وباكستان بدأ أخطبوته يمتد لتمزيق اليمن والسودان والصومال ناهيك عن الوضع الإقتصادي المتراجع لمنطقة الخليج العربي وبداية دخولها في أتون الصراع الإقليمي بشكل مباشر بعد أن كانت طيلة الفترة السابقة تشهد استقراراً سياسياً واقتصادياً تحسد عليه إلى ما قبل غزو العراق 2003.
ويجدر القول أن جميع القوى الإقليمية التي كانت بطريقة مباشرة أو غير مباشرة توافق على السياسة الأميركية أو تهادنها في المنطقة راحت تتعرض لنكسات واضطرابات متلاحقة وتشعر بأنها في أتون وضع حرج وصعب من دون أن تجد أفقا في الخروج منه لتستعيد عافيتها واستقرارها.
وفي المقابل أن قوى المقاومة والممانعة حققت انجازات كبيرة في المنطقة ولا سيما بعد الحرب العدوانية الصهيونية الفاشلة على لبنان 2006 وقطاع غزة 2008/2009 حيث تصاعدت أزمة الصومال وأزمة اليمن الذي بات مهددا بالتقسيم إلى أربع أجزاء عداك عن التوتر المتصاعد بين الحوثيين والحدود السعودية.
إن التقارب الإيراني - التركي - السوري يشهد نمواً متزايداً في المنطقة على حساب انحسار النفوذ الأميركي وتراجع قوة الكيان الصهيوني، وأن هذا النمو بدأ يتجه لإستقطاب السعودية إليه ولو نسبياً من خلال التفاهمات السعودية - السورية في لبنان فالمنطقة تشهد بروداً في التقارب المصري - السعودي.
فالسعودية حالياً تشعر أن الحلف المصري - السعودي ودعم الولايات المتحدة لهذا المحور بدأ يتراجع نتيجة التراجع الأميركي في المنطفة بل في العالم. وتكاد السعودية تشعر بأن الحماية الإقليمية - الدولية لم تعد كافية، فهي ترسل إشارات إلى كل من سوريا وتركيا للحلول في المنطقة مكان التراجع الأميركي، خوفاً من "السيطرة" الإيرانية عليها.
إن سوريا بدأت تتحول إلى قطب أساسي في المنطقة ودورها السياسي يتنامى على كافة حدودها فهي على علاقة إستراتيجية عسكرية واقتصادية مع تركيا "أردوغان"، وقد قطفت ثمار هزيمة الإسرائيليين في حرب تموز 2006 في لبنان، وفي حرب 2008/2009 على قطاع غزة. وأصبح لها اليد الطول في تركيبة النظام اللبناني وصوغ بنيته الجديدة، وهي حاضنة للفصائل الفلسطينية وخاصة حماس، وحركة الجهاد. وهي طرف أساسي في أي مستقبل جديد للعراق، وهي حليف أساسي لإيران في المنطقة.
لقد استطاعت سورية بفضل صمودها وثباتها في الممانعة والتصدي للسياسة الأميركية والإسرائيلية في المنطقة أن تحصد بشكل واسع فشل السياسة الأميركية - الإسرائيلية في المنطقة وأن يتعاظم دورها في كثير من المواقع.
|
|
ثمن شاليط والحسابات الخاطئة والمثيرة
ياسر الزعاترة*
في خطابه الشهر الماضي أمام اجتماع المجلس المركزي في رام الله، وقبله معظم الخطابات والمقابلات المرئية والمقروءة، تحدث الرئيس الفلسطيني محمود عباس بلغة السخرية عن قصة الجندي شاليط، وراح يسرد الثمن الباهظ الذي دفعه الشعب الفلسطيني لقاء أسره، حيث قال بالنص "حتى الآن دفعنا 2587 شهيدا منذ أسر شاليط و5 آلاف منزل، غير المعاقين والجرحى وهم عشرة آلاف، و20 ألف منـزل مدمر بشكل جزئي، 23 مسجدا، 60 مدرسة، ولا زال الشعب ومعظم الناس الذين دمرت منازلهم بالعراء، ماذا نريد من شاليط هذا؟".
والحال أن صاحب هذا الخطاب ومن يدورون في فلكه لم يتوقفوا عند تخطئة أسر شاليط كما عكست تصريحاتهم منذ عامين، بل تجاوز ذلك إلى هجاء المقاومة برمتها، مثل وصف الصواريخ بالعبثية، والعمليات الاستشهادية بالحقيرة، وصولا إلى تسخيف فكرة المقاومة برمتها باعتبارها لونا من العبث الذي لا يؤدي إلى نتيجة، ما يفضي بشكل طبيعي إلى اعتبار "الحياة مفاوضات"، بدل أن تكون "عقيدة وجهاد" كما ذهب الشاعر!!
من هنا، فإن هذا اللون من الخطاب يستحق الرد حتى لا ينطلي على بعض الطيبين من أبناء شعبنا، لاسيما أن بعضه يأتي من أطراف لا صلة لها بالمعسكر إياه، وفي معرض الحديث عن ترشيد المقاومة حتى لا يدفع الشعب أثمانا باهظة لا يحتملها.
من المهم التذكير ابتداء بأن العملية العسكرية التي أفضت إلى أسر الجندي شاليط "الوهم المتبدد" هي واحدة من أروع العمليات البطولية التي نفذتها قوى الشعب الفلسطيني في تاريخها كله، ليس فقط بسبب أسر الجندي، بل لأنها دلّت على إصرار المجاهدين في هذا الشعب على الإبداع في سياق ضرب العدو، حيث تمت العملية من خلال حفر نفق طويل في عمق الأرض استغرق حفره ثمانية أشهر، ليصلوا إلى موقع العدو ويقتلوا ويأسروا ويستشهد بعضهم، بينما يعود البعض الآخر سالما ومعه الأسير.
هذه العملية الرائعة هي من سجلات البطولة التي تمنت وتتمنى كل الفصائل أن تكون من إنجازها، وهو ما يؤكد أن الخطاب الذي يتحدث عن ثمنها الباهظ بتلك الطريقة المثيرة لا يحظى بأدنى تأييد في الشارع الفلسطيني، بما في ذلك الجزء المناهض لحركة حماس، وذلك رغم حملة ترويجه التي شملت عشرات الخطابات لمسؤولي السلطة، وفي مقدمتهم مسؤولها الأول.
ما لا يقل روعة عن العملية في واقع الحال هو القدرة على الاحتفاظ بالجندي الأسير كل هذه المدة دون الوصول إليه، مع العلم أن الوصول إليه غدا أو بعد غد (لا سمح الله) لن يغير في حجم وروعة الإنجاز الذي يكاد يُفقد قادة الأمن والسياسة في الدولة العبرية صوابهم، ونجزم أن الكيان الصهيوني قد دفع عشرات الملايين، وربما أكثر بكثير في سياق محاولات استعادة الجندي دون صفقة، حتى أن قمامة القطاع برمته يجري فرزها من أجل الوصول إلى أي شيء يشير إليه، ويكفي أن يفرج عن عشرين أسيرة للتأكد من أنه بصحة جيدة. ولا تسأل عن مئات الجواسيس الذين مروا على القطاع بمسميات كثيرة من الخارج على أمل الوصول إلى طرف خيط (دعك من الجواسيس الموجودين في الأصل)، فضلا عن حقيقة أننا إزاء قطاع تراقبه الطائرات "الزنانة" في كل شبر لأربع وعشرين ساعة يوميا.
|
|
بين القطري والقضية الفلسطينية
علاّن بلال*
كتب الأستاذ الشيخ راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة الإسلامي في تونس مقالة في "الجزيرة.نت" في 7/1/2010 تحت عنوان "الحركة الإسلامية والحرب على غزة"، انتقد فيها مواقف الحركة الإسلامية، وعلى التحديد الإخوانية والعربية السنيّة خارج فلسطين، من ناحية ما يترتب عليها من واجب النصرة ودعم الفعل المقاوم في غزة، خصوصاً، وفلسطين عموماً.
فبعد أن يجد العذر للحركة الإسلامية في عدم ترجمة واجب النصرة من خلال المشاركة الفعلية في ميدان المقاومة نفسه. وذلك لتعذر الوصول إلى ميدان المواجهة لأسباب معروفة، وفي مقدّمها حدود التجزئة العربية وسياسات الدولة القطرية العربية التي تمنع ذلك منعاً باتاً، وبما أوتيت من قوّة، بل تحول دون ما هو أدنى من ذلك، أي تمنع حتى جمع التبرعات وإقامة المهرجانات وتسيير التظاهرات. فكيف المشاركة بالمتطوعين والجهد المباشر المقاوم؟ وإذا كانت الظروف لا سيما في أثناء اشتعال المعارك ومشاهد نزيف الدم الفلسطيني قد تسمح بتجميع مواد إنمائية وطبية فإن ذلك، على أهميته دون المطلوب من الحركة الإسلامية. لأن "المطلوب تصعيد الضغط على الحكام حتى يصل إلى درجة تحمِلُهم على مشاركة مؤثرّة في المعركة".
فيسأل: بأي مبرر شرعي أو واقعي يوكل عبء مواجهة عدو الأمة لجزء صغير منها محاصر؟ بل كيف يسمح لحكام متواطئين إمكان التعاون مع العدو. وذلك في إحكام الحصار المضروب على قطاع غزة؟ ولماذا لا يُضغط على الأنظمة لتوظف إمكانات الأمة، ولو في حد أدنى، في دعم المقاومة في غزة دعما دبلوماسياً واقتصادياً... وفي طليعة ذلك فتح معبر رفح وإغلاق السفارات والتمثيليات القائمة في بلاد العرب والمسلمين.
وهنا يلحظ الشيخ الغنوشي، ونفسه تقطر مرارة كاتباً: "لم نر الحركات الإسلامية وأمثالها من الفعاليات الشعبية، أحزاباً ونقابات، في الدول العربية قد قامت بواجب النصرة هذا خير قيام". فنحن لم نر تلك الحركات والفعاليات قد استنفرت طاقاتها. فنزلت بكل ثقلها إلى الشارع المحتقن وملأت ساحاته، كما يجب أن يكون الأمر. "بل كانت في كثير من الحالات تلازم موقفاً يغلب عليه الحذر. وقد فقد التصميم الضروري للمشاركة في ملحمة غزة والاستعداد الضروري لبذل التضحيات الضرورية".
|
QQ
|
المحتوى |
 |
|
|
|